رمضان الذي كان!

حجي جابر

لايكاد يمر بي شهر رمضان، إلا وتتجدد ذات المشاعر بالحنين لمواسم منه ماضية. على الدوام ظلّ شهر الصوم مرتبطا في ذاكرتي بمرحلة بعيدة، يبدو الوجدان وقد توقف عندها بإصرار عجيب.

يأتي رمضان، فأتذكر حيّنا القديم، ووجوه سُكّانه العامرة بالطيبة. أتذكر نهاراته الحارّة ولياليه الممتدة إلى الفجر. أتذكر والدي المخلص لطقوس الشهر منذ الليلة التي تسبق دخوله، ووالدتي المستنفرة لتجهيز كل تلك الطقوس. أتذكر طعم الصيام الأول، وفرحة الإفطار الأولى.

لكن التذكر يتوقف عند تلك المرحلة ويبدأ في التراجع والخفوت. تفتر ذاكرتي في استحضار ما تلا تلك المرحلة من “رمضانات”، لا أظنها كانت تختلف كثيراً عن تلك التي بقيت في الذاكرة متمسكة بأسباب الحياة.

ما الذي يحدث إذن؟ لماذا نعتقد أن الماضي البعيد كان أجمل؟ لماذا يبدو رمضان في أعوامنا الغضة منها، أكثر التصاقاً بوجداننا من هذه التي نحياها بوعي وإدراك أكبر؟

تبدو الإجابة في جانب منها متعلقة بمرحلة الطفولة والنشأة الأولى التي تكون غالباً هي المكوّن الأساس لمستودع ذكرياتنا. وما يرتبط بتلك المرحلة على مستوى المكان أو الزمان يناله بداهة ما ينالها من استحضار أكثر عمقاً وتأثيراً.

لكن إذا ما نحيّنا هذه الفكرة قليلاً، لنسأل: هل تغيّر رمضان بالفعل؟ هل طال الشهر ما استجدّ على هذا الكون من مدنية طاغية، فأفقده كثيراً من بريقه الذي كان؟

كثيراً ما شغلني هذا السؤال، وكثيراً ما حاولتُ في معرض إجابتي عليه أن أختبر ذلك عملياً، فكنتُ أستحضر طقوسه التي اعتدتها منذ سنيّ عمري الأولى. جربتُ القيام بنفس الأمور التي كنتُ آتيها في حضرة والدي. زرتُ نفس الأماكن. قابلتُ من استطعت من أُناس تلك المرحلة، لكن كل ذلك، لم يتوافق وما عرفته آنذاك وظلّ طعمه في فمي إلى اليوم. وما حاولته لم يفعل أكثر من تذكيري بتلك المرحلة البعيدة النابضة بالحنين دون أن يستحضرها بالفعل!

هذا الأمر دفعني إلى الاعتقاد أننا من يتغير وليس رمضان. اختلاف الاحساس بكل تلك الطقوس، يعني أن لذلك ارتباطاً بالزمن، وبفعله فينا. التغيير الذي نلحظه بجلاء أمامنا، ليس إلا صورة لما يحدث في دواخلنا من هدم وبناء تظهر آثاره أول ما تظهر في إحساسنا بالأشياء.

إذن وبهذه الطريقة يمكن القول إن كل ما نقوم به الآن، سيتحول بشكل أو بآخر إلى مستودع الذكريات، وسيتلبسه الحنين حين نسترجعه في مرحلة متأخرة من أعمارنا، حين نكون قد تغيرنا أكثر وأكثر، وذلك أسوة بما نقوم به اليوم تجاه طفولتنا الرمضانية. وهنا رمضان، وهذا يُحسب له، يقوم دوما بتنشيط هذا الجانب من الذاكرة واستجلابه بسخاء عاماً بعد عام من بين ركام الذكريات المكومة فوق بعضها بكثير من الفوضى.

ووفق هذه الطريقة أيضاً، نحن نسهم في حشو مستودع أبنائنا بالذكريات، ونتحمّل شيئاً من المسؤولية، في صنع الصورة العامة لرمضان في أذهانهم، والتي ستبقى حتماً إلى الأبد. هذا الوعي سيصبغ لامحالة طريقة تعاطينا بالانتباه. وأنا هنا أتحدث عن القيم، أكثر من أي شيء آخر.

وبالعودة إلى حديثي عن الذكريات، هذا يعني أيضاً أنني بتُّ ألتفتُ خلفي أكثر، وهذا مؤشر بالغ الوضوح على أنني كبرت. ولعل الفرنسي جيروم توزالان كان مُحقاً حين قال إنه ” حين ننظر في ذكرياتنا أكثر مما نفعل مع مرآتنا، فإننا بذك نكون قد هرمنا”.

كل عام أنتم ومرآتكم وذاكرتكم بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.