ذكريات إرترية

الأستاذ عبد القادر شيا

الطريق الذي يربط شرق إرتريا بغربها هو الطريق الوحيد والأشهر في إرتريا. يبدأ من ميناء مصوع على البحر الأحمر وينتهي في مدينة تسنى على الحدود السودانية ماراً بالعاصمة أسمرا عند أعلى الهضبة وإذا ما قورن هذا الطريق بالطرق الحديثة، يعتبر طريق ضيق نوعاً ما. فقد أنشأته إيطاليا على قدر حاجتها في ذلك الزمن لمرور آلياتها العسكرية أثناء الحروب ولتثبيت أقدامها في شرق إفريقيا، ومع هذا يعتبر من أروع الأعمال الهندسية التي أنشأتها إيطاليا في المنطقة، خاصة وأنت صاعد إلى أعلى الهضبة من شرقها إلى العاصمة أسمرا أو نازلاً إلى غرب إرتريا. فالطريق من العاصمة أسمرا باتجاه الشرق يمر بمنحدر حاد حيث الإبداع الهندسي، ومع السكة حديد يرسم ثنائي متناغم، ومع جمال الطبيعة الخلاّبة تكون لوحة رائعة الجمال، فالمار بهذا الطريق يتوقف مجبراً وينزل من سيارته حتى يستمتع بهذه اللوحة على طبيعتها. فالإبداع الإلهي في هذا المنظر الجميل يظهر في الجبال الشاهقة التي تكسوها الخضرة، متوشحة بالسحب البيضاء، وتتدخل يد الإنسان لترسم أروع لوحة في النحت على الحجر وها هو الإبداع في (أربعا ربوع) ومهما أسهبت في نقل صورة عن هذه المنطقة أجد نفسي مقصراً أمام هذا الجمال الأخّاذ.

.

وبما أن رحلتي اليوم هي في غرب إرتريا. فلنيمم وجهنا شطر الغرب، غرب العاصمة أسمرا واسطة العقد. الطريق من أسمرا يتجه شمالاً إلى مدينة أغردات ومن أغردات يتجه غرباً حتى مدينة تسني، طريق معبد مرتفع عن الأرض (هاى وى) في المتوسط بمعدل مترين عن سطح الأرض وعلى حسب جغرافية المنطقة التي يمر عليها، يرتفع وينخفض عن هذا المعدل. أما عدد الجسور على هذا الطريق فلا تحصى ولا تعد، فعلى حسب طبيعة إرتريا الجبلية، فبعدد الأنهر ومجاري المياه تكون الجسور ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن عدد الجسور في الكيلو متر الواحد في بعض المناطق قد يتجاوز العشرة. وهذا الطريق ينقسم إلى قسمين الجزء الأعلى من العاصمة أسمرا مروراً بمدينة كرن حتى مدينة حقاد طريق منحوت في الجبال تعلوه طبقة سوداء من الأسفلت. والسالك لهذ ا الطريق صعودا إلى أسمرا أو نزولاً والذي أعتاد على السفر في هذا الطريق أو يكون من سكان المنطقة، بإمكانه أن يتأمل في الطبيعة الخلابة والجهد الهندسي المبذول لإنشاء هذا الطريق. فمن الطبيعي أن ترى السحب تحتك وأنت نازل من العاصمة أسمرا وبعد فترة تخترق بك السيارة السحب الداكنة لتتفاجأ بالسيول الجارفة تنحدر من الجبال والسماء تمطر، منظر كهذا لا يمكن تخيله إلا لشخص شاهده وعاش هذه اللحظات. الطريق يتلوى كالثعبان. أما بالنسبة للزائر أو الذي يسلك هذا الطريق في أوقات متباعدة، فالله يكون في عونه، فالدوار يأخذ برأسه والغثيان يكتم أنفاسه والدقائق يحسبها كالساعات، ولا ينتهي الطريق. إذا امتلك الخيار لاختار النزول من السيارة وأكمل الطريق مشياً على الأقدام وهيهات له ذلك. كل هذا من الرعب الذي ينتابه والقشعريرة التي تجتاحه مع كل منعطف في هذه المرتفعات الشاهقة. فقد أطلقوا على هذه المنعطفات أسماء لقساوتها على سبيل المثال منعطف (لبى تقراى). في لحظات كهذه لا يكون في مقدورك سوى أن تغمض عينيك وتتشبث بالمقعد الذي أمامك وأنت مطأطئ الرأس حتى لا تخونك عينك وتأخذ نظره عبر النافذة إلى الهاوية، عندها حتماً سيسقط قلبك من مكانه.

.

السهل المنبسط بعد مدينة حقاد في طريقك إلى إنقرنى يعطيك الطمأنينة والارتياح، وتهدأ أعصابك، وإجمالاً الطريق في هذه المرحلة عبارة عن ردمية لم تغطى بالأسفلت لذا تجد عند مداخل المدن حتى تصل إلى مدينة تسني مفرزه لصيانة الطريق بكامل آلياتها وأفرادها ويطلق عليها الـ (هاى وى) نسبة للطريق المرتفع، تقوم على صيانة الطريق على مدار السنة.

أول ما يلفت انتباهك الجسر الحديدي عند مدخل (إنقرنى)، يستقبلك هذا الجسر الذي هو أحد معالم إنقرنى، ومع الخضرة في البساتين ينطبق عليها المثل، الماء والخضرة والوجه الحسن، وإذا كنت من أهالي بركة حصراً وقبل وصولك إلى إنقرنى، تجد نفسك تنظر اتجاه الشرق بمحاذاة الطريق تنظر إلى شواخص على هيئة بيوت (قطاطي)، تلال متناثرة ومع أشكال للحيوانات وحظائر. إنها قرية المطففين. التي دفنتها الريح العاتية جزاءً بما كسبت أيديهم. والكثيرين لا يلقون بالاً لما أقول بل لم يسمعوا به، لذا قلت لأهالي بركة حصراً. لأنهم يعرفون المنطقة حجراً حجر وشجرة شجرة، فإذا كانت حقيقة أو من نسج الخيال فهي جزء من تراثنا توارثناها جيلاً بعد آخر. ولا يمكن أن نمر بالمنطقة دون أن تلفت انتباهنا ونأخذ منها العبرة حتى نقيم الوزن بالقسط. والطريق سالكة حتى تصل إلى مدينة أغردات قلب ارتريا النابض.

هنا من مدينة أغردات تبدأ رحلتنا إلى مدينة تسنى. اليوم هو أحد أيام شهر أغسطس في بداية سبعينيات القرن الماضي وصلت إلى موقف الحافلات باكرا فالحافلات التي تأتى من أسمرا تصل متأخرة، ومع هذا التأخير قد لا تجد مقعدا شاغرا، لذا من الأجدر ألا ينتظرها أحد، رغم تميزها بالسرعة إلا أن عدد الحافلات قليل نسبة لحاجة المواطن في تنقله من وإلى العاصمة أسمرا، فشركات نقل الركاب العاملة في خط أسمرا – تسنى لا تتعدى الثلاث شركات وهي “ستاي” و”حاج حسن” و”قونافر”. وهذه البصات تعمل بأقصى طاقتها لخدمة المسافرين. في السادسة صباحا تتحرك هذه الحافلات من أسمرا وفى نفس الوقت تسيّر نفس الشركات حافلاتها من مدينة تسنى.

تتميز عليهنّ شركة ستاي بتسيير أكثر من حافلة في الاتجاهين، لا ينسى المرء عند وصول الحافلات الموسيقى التي تسبقها معلنة قدوم الحافلات. فجميع الحافلات على سقفها الخارجي في المقدمة مثبت مكبر صوت يبث أغانيه التي تصل إلى مسامع الناس من على البعد وأكثرها أغاني وطنية في قالب غزلي، فهذا الفنان عثمان عبد الرحيم وذاك الفنان القدير الأمين عبد اللطيف يصدح بفاطمة زهراء. للذي يعرف، هي أغاني وطنية تغرس المحبة للوطن والذي يأخذ الكلمات بظاهرها يعيش مع خيال الفاتنات.

هنا كان لابد من حجز مقعدي في (سيابو) وسيابو هي إحدى الحافلات التي تسيّرها شركة ستاي من أغردات إلى تسني وبالعكس. وعلى ذكر سيابو لابد من أن نشير إلى إن شركة ستاي التي كانت أكبر شركة لنقل الركاب في إرتريا كانت شركة مساهمة وصلت إلى هذه المرحلة بعد اتحاد ثلاث شركات لنقل الركاب وهي ستاي وسانا وسيابو. لتشتهر هذه الشركة باسم ستاي.

في الثامنة صباحاً تحركت بنا الحافلة باتجاه الغرب تاركين أغردات خلفنا. الأرض مخضرة بمراعيها وأشجارها. المزارعون يعملون في مزارعهم، منهم من ينثر البذور ومنهم من يعمل على نظافة أرضه من الحشائش فالمزارع متفاوتة في نموها. في (إبنت حرماد) توقفت الحافلة لتقل أحد الركاب ومن ثم واصلت سيرها. عَبَرنا جسر (كعلاى) وتركنا غابة الدوم الكثيفة خلفنا، لم نمض كثيراً، لحق بنا رتل من السيارات العسكرية (كنفوى) توقفت حافلتنا جانباً حتى يمر الرتل. آليات عسكرية، جنود مدججين بالسلاح لم يخفض الرتل من سرعته عند مروره بجانبنا. كادت بعض آلياته أن تحتك بالحافلة، حمدنا الله على السلامة. تحركت الحافلة بعد أن ابتعد الرتل، طلب أحد الركاب من السائق ا لتوقف. فقد وصلنا (مقلو)، نزل واتجه جنوباً بعيدا إلى اللاشىء، سلسة من الجبال دونها سهل منبسط تكسوه الخضرة. يبدو أن (مقلو) خلف تلك الجبال.

صعدت امرأتان تحمل كل واحدة منهنّ كيساً من الحبوب ما يساوى الربع جوال. تنازل الرجل الذي صعد من (أبنت حرماد) عن المقعد الشاغر لإحدى المرأتين، واتخذت الأخرى كيسها مقعداً لها، وظل الرجل واقفاً. وبعد أن تحركت السيارة قليلا قطع الصمت الشيخ الذي يجلس جوار الباب وقال هل هذا الدخن جديد؟ موجهاً سؤاله للمرأة الجالسة على الكيس. أجابت بزهو نعم إنه جديد لقد حصدناه هذا الأسبوع وظلت تتباهى بإنتاج مزرعتها الوفير، عرفنا من الحوار الذي دار بينهما بأن أهالي (مقلو بادوب) يحصدون الدخن في الوقت الذي فيه المزارعون في بقية المناطق، في بداية زراعتهم لم يمضي الوقت طويلاً حتى بدأ محرك السيارة يئن وهي تصعد الجبل. الطريق على سعته صار يضيق في أعيننا، نتمنى ألا تقابلنا سيارة من الاتجاه المعاكس. عقبة مخيفة، تنفسنا الصعداء عندما وصلنا القمة وبدأت مدينة بارنتو تلوح أمامنا.

 

على غير العادة كان هناك عدد كبير من الجيش الإثيوبي منتشر في الجبال بمحاذاة الطريق توقف البص للتفتيش. نزل جميع الركاب رجالاً ونساءً. صعد اثنان من الجنود السيارة وبدءا بتفتيشها، تحت المقاعد وفوق السقف، لم يجدوا شيئا يثير الانتباه. عزل الرجال جانباً وسمح للنساء بركوب السيارة ومن وسط الرجال أشاروا إلى ثلاثة من الشباب أعمارهم ما بين العشرون والسابعة والعشرون بالتنحي جانباً. ومن ثم بدأ التفتيش في البقية بكل دقة، في النهاية سمحوا لهم بركوب السيارة وأمر السائق بالتحرك.

.

الشيخ الذي كان يجلس بجوار الباب رفض ركوب البص، وبدأ ينادى ابنه وكان أصغر الثلاثة الذين احتجزوا. دفعه الجندي نحو السيارة لكنه بدأ يقاوم. جاء جندي آخر وبعقب بندقيته ضربه في ظهره فسقط أرضاً. بدأوا بركله بأرجلهم مع تكرار كلمة (ونبدي) لم يقوى الرجل على الوقوف على رجليه، حمله اثنان من الجنود وقذفا به داخل السيارة وانطلقت بنا نحو مدينة بارنتو. وعند مدخل المدينة الشرقي بعد أن عبرنا الجسر عند الشجرة المعمرة الشهيرة كانت هناك نقطة تفتيش أخرى. بدت الأحوال على غير طبيعتها، الشوارع خالية من الناس والمحلات مغلقة والتوتر باد في وجوه الجنود. بعد وقت طويل سمح لنا بدخول المدينة. فى وسط المدينة كان الحشد عظيماً. الساحة التي تتوسط السوق امتلأت عن آخرها بالناس. أول ما توقف البص (الأوتوبوس) على قول الإرتريين طُلب منا جميعاً الذهاب نحو الشجرة التي تتوسط الساحة، عرفنا أن هناك أمر جلل. تدافعنا بين الحشود حتى اقتربنا من الشجرة. كان هنالك ثلاثة من الفتية في ريعان شبابهم وقد التف الحبل حول صدورهم تحت الإبطين وعلقوا فوق الشجرة. واثنان آخران ممددان على الأرض وقد بدأت اجسادهما بالانتفاخ. بين الفينة والفينة نسمع كلمة “شفتا” من بعض الناس تملقاً للإثيوبيين والأكثرية صامتة. ترى في وجوههم علامات الحزن والألم يعتصر قلوبهم كلما رأوا التمثيل بالشباب. الجنود الإثيوبيون يكررون السؤال مرة تلو الأخرى هل تعرفون هؤلاء؟ أمعنوا النظر، مَن مِن هؤلاء تعرفون؟ أنكر الجميع معرفتهم. كلما غادرت مجموعة المكان أتت أخرى للمشاهدة. مضى الوقت دون أن ندري. أفقنا على بوق السيارة، أسرعنا بركوب السيارة. تخلف عدد من الركاب في بارنتو، من بينهم ذلك الشيخ الذي أُشبع ضرباً. رفض السفر حتى يعرف مصير ابنه. تخلف بعد أن وضع بعض المال في يد زوجته وأوصى السائق بإنزال زوجته وابنته في قرية (عد عمر) بالقرب من تسنى. المقاعد الشاغرة شغلها بعض الركاب من مدينة بارنتو.

الصمت عمّ المكان. عند وصولنا إلى (بريمو كنتيرى) المدخل الغربي لبارنتو مع تقاطع (تكمبيا) صادفتنا نقطة تفتيش أخرى. نزلنا جميعاً من السيارة، امتعضنا من هذا الإجراء الغاشم لكن ما باليد حيلة. أنقذتنا من هذا الموقف (قونافر) قادمة من تسنى تسبقها أغانيها من مكبر الصوت الذي علق في مقدمتها، وصلت الحافلة (قونافر). طوقها الجنود وطلب منا ركوب السيارة والمغادرة، حمدنا الله على ذلك.

بعد أن غادرنا بارنتو بمسافة بدأنا نسمع القصة من الذين ركبوا معنا من بارنتو. وبما أن الحذر كان ضرورياً، كنا نتبادل الحديث باللغة العربية. عرفنا أنه في الرابعة صباحاً اشتبك الثوار مع الـ (طور سراويت) في المعسكر الرئيسي في (فورتو) وكبدوهم خسائر فادحه، وأحرقوا ثكناتهم. اقتحموا المعسكر ودارت المعركة داخله لمدة ساعة من الزمن. ليبدأ الانسحاب قبل شروق الشمس. تخلف ثلاثة من الشهداء داخل المعسكر بعد أن فاضت أرواحهم إلى بارئها فداءً للوطن اما الاثنان الآخران فقد نزفا حتى فارقا الحياة أثناء انسحابهما خارج المدينة. في هذا الجو المفعم بالوطنية والانتصارات ومع نشوة اقتحام الثوار لأكبر معسكرات الجيش الإثيوبي في (فورتو) مكان إقامة قادتهم وجنرالاتهم، مر الزمن سريعا لم ندرى متى تجاوزنا (قونيا) لنجد البص يتوقف في هيكوتا. طلب منا السائق ألا نبتعد كثيراً لأن البص سوف يتوقف فقط عشر دقائق. وجبة الإفطار التي كنا نمنى أنفسنا بتناولها في بارنتو لم نتمكن منها وعوضاً عنها تناولنا كوب من الشاي وقطعة (الدولشى) التي اشتريناها من الباعة المتجولين عند ركوبنا البص في بارنتو. (الدولشى) نوع من الكعك مشهور في إرتريا.
غادرنا هيكوتا بعد أن تحلق حولنا السكان يستفسرون عن المعركة في بارنتو. فقد جاءتهم الأخبار عن طريق سائقي الشاحنات. وكانوا يطلبون المزيد من التفاصيل. توقف البص بمحاذاة قرية (عد عمر) نزلت المرأة وابنتها (زوجة الشيخ الذي تخلف في بارنتو) تبعتهما امرأتان ومعهما بنتان وولد واحد، أعمارهم بين الثانية عشر والسادسة عشر على الأكثر. والذي ينزل لا يلتفت خلفه، يسرع الخطى باتجاه القرية التي تقع يمين الطريق بالقرب من الجبال. ليلحق بهم ثلاثة من الرجال. الشيء الملفت أن هندام الذين نزلوا في قرية عد عمر وأناقتهم لا تتوافق مع سكان القرى.

تحرك البص واتجه نحو مدينة تسني عند الأصيل. كان اليوم بحق طويلاً. السائق وبعض العارفين ببواطن الأمور يعرفون أن قرية عد عمر ما هي إلا بداية الطريق إلى كسلا مشياً على الأقدام أو على ظهور الجمال.

أما ما حدث في البلوك قبل عبور القاش وفى نمرة أربعة عند مدخل مدينة تسني. فقد تمنينا لهم السلامة فكاتب المقال كان أحد الرجال الثلاثة الذين نزلوا في قرية عد عمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.