أيقونة الفن الإرتري: الأمين عبد اللطيف

قلم وحوار: الأستاذ أبوبكر صائغ

بين عشية وضحاها إختفي من حياتنا من كان سبباً في عشقنا للغناء والحب بصوته الرخيم الحالم وبأدائه المتميز على خشبة المسرح، رحل صاحب أغنية “فاطمة زهرة” التي ألهبت حماس الجماهير الإرترية المتعطشة للحرية والإستقلال وللثورة والنضال، رحل الأمين وترك خلفه مئات الذكريات التي تملأ عقولنا وقلوبنا، إختفي فجأة دون سابق إنذار، وهذا دأب الموت دائماً يأتي على حين غفلة ولا يفرق بين كبير أو صغير.

لم يكن الأمين مجرد مطرب ناجح ومشهور، بقدر ماكان أيقونه للفن الإرتري فى كل الحقبة حتى يوم رحيله، فهو قصة نجاح وصعود من قلب المعاناه الى قمة المجد، وتحويل الألم الى أمل ، وقد تربت أجيال وأجيال على صوته الدافىء وأغانيه الحالمه الرقيقه.

رحل اليوم عن دنيانا الفنان الكبير الأمين عبداللطيف وفقده ترك في القلب ألم وفي الحلق غصة، وتخليدا لذكراه سانشر الحوارت المطولة التي أجريتها معه عام 2007م على ما أعتقد حتي يكون القارئ ملماً بسيرته الذاتية ورحلته في عالم الغناء لأكثر من نصف قرن من الزمان شكل خلالها أحاسيس الناس بأروع ما تغني، فإلي الجزء الأول من مضابط الحوار:

** بدايتى الفنية كانت بأغنيات ودامير وعجولاى وكماجنه التى يرددها شباب ال”ربعت” فى حي أبا شاول.

** الأسرة والقبيلة لم يقبلوا أن يصبح إبنهم فنان وأصبحت منبوذاً منهم ومحاولة إقناعهم كانت صعبة.

** القبائل الناطقة بالتقري كانت تقدم لدي الخطوبة قطعة من الذهب تعلق في الصدر يطلق عليها ((الحمر)) والمجتمعات كلها تقدم خاتم الخطوبة ((الدبلة)).

حدثنا عن الطفولة والدراسة وكيف تفتحت لديك الموهبة الفنية؟

في الحقيقة البدايات بالنسبة لي صعبة، وصعوبة البدايات تكمن في إني كبرت يتيما، حيث توفي والدي ولم يتجاوز عمري ثلاثة أعوام ولذلك واجهت ظروف صعبة عند بدايات حياتي بشكل عام، ووالدتي هي التي عرفتني بوالدي، إسمي بالكامل هو الأمين عبد اللطيف محمود قاش من عائلة قاش المعروفة انتمي لقبيلة {عد درقي} وهم معروفون بالجانب الديني ونزحت اسرتي من زولا واستقرت في قندع، وانتشر أفراد قبيلتنا حتى وصلوا الى نقفة وافعبت ووالدي كان يعمل ممرضاً في المستشفيات الحكومية وبحكم العمل كان يتنقل من منطقة الى أخرى وولدت في مدينة قندع وبعد شهور من ولادتي انتقلت الأسرة الى أسمرا وسكنا في منطقة (أباشاول).

في بدايات سنوات الطفولة كنت أتلقى التعليم الديني في الخلاوي ثم التحقت بمدرسة إبتدائية كانت تتواجد جوار (مدبّر) حيث درست بها المرحلة الإبتدائية خلال الفترة الصباحية وفي الفترة المسائية كنت أدرس في المعهد الديني بآسمرا، وبعد الإنتهاء من المرحلة الإبتدائية إنتقلت لدراسة المرحلة الثانوية العامة بمدرسة الجالية العربية بأسمرا.

أما فيما يتعلق بهوايتي الفنية لا أدري كيف تكونت ولكن كنت أستمع باستمرار الى الإذاعة السودانية، طبعاً في تلك الايام معظم الناس كانوا يستمعون الى اذاعة “هنا أمدرمان”، وكنت استمع لروائع كبار المطربين بالسودان أمثال الفنانين الكبار أحمد المصطفى وسيد خليفة وحسن عطية وغيرهم من الفنانين في السودان، وكنت أحفظ أي أغنية إستمع اليها ثم أقوم بترديدها بأستمرار، وخلال الفترة التي عملت فيها معلماً بمدرسة الجالية الإرترية بآسمرا كنت أقوم بتلحين الأناشيد للطلاب ومن هذه المرحلة بالتحديد بدأت إكتشف مواهبي الفنية وفكرت جدياً بصقلها.

الفن والتدريس خطان متوازيان، والاختيار بينهما كان صعباً جداً، أيهما كان اختيارك؟

الاختيار بين الفن والتدريس كان صعب، وكما ذكرت سابقاً كنت أحفظ الأغاني السودانية التي كنت أستمع اليها عبر أثير إذاعة “هنا أمدرمان”، وطبعاً اختياري كان السير في طريق الفن، وفي السابق كانت هناك في معظم أحياء أسمرا جمعيات ثقافية تابعة للناطقين بلغة التقري وتلك الجمعيات كان يطل عليها ((ربعت)) وهي كانت عبارة عن جمعيات شبابية، والشباب كانوا يلتقون أسبوعيا ويحتفلون بمناسبة أو بدون مناسبة حيث يتجمع الشباب من الجنسين في مكان ما ويغنون ويرقصون ونحن كنا صغار وقتها وكنا معجبين برقصاتهم وأغنياتهم، وكنت احفظ منهم ما يرددونه من أغنيات قديمة بلغة التقري لفنانين كبار أمثال الفنان الكبير إدريس ود أمير وعجولاي وكماجنه، وفي حيّنا أي (أباشاول)) كانت هناك ((ربعت)) وأيضا كانت هناك ((ربعت)) في حي (( فروبيا)) أو كما يسمونه حي سكة حديد. والشباب في حفلاتهم المسائية في الأحياء الشعبية كانوا يغنون أغاني تراثية وهنا بدأت مشواري الغنائي في عالم الفن. وفعلاً وجدت الفن والتدريس خطان متوازيان ولذلك وكما قلت لك اخترت الفن، وفي تلك الأثناء الحكومة الأثيوبية كانت تسيطر على البلد تماماً وكانت تراقب وتترقب أي أغنية يتغنى بها الإرتريين.

وعند بدايتي الفنية واجهتني صعوبات كبيرة لأن الأسر كانت تمنع أولادها من الذهاب الى الحفلات ناهيك من الغناء فيها، وبما إنني من أسرة دينية ومن قبيلة معظم أبناءها مشايخ وحفظة للقرآن وهكذا، كان صعب عليّ في هذا الوسط العائلي المتدين أن أمتهن مهنة الفن وأغني، والاسرة والقبيلة لم يقبلوا أن يصبح ابنهم فنان ولذلك أصبحت منبوذاً من القبيلة وإن محاولة إقناعهم كانت صعبة جداً،

وفي بداية مشواري الفني وبدايتي مع فرقة اسمرا الفنية أو قبل ذلك بعام أو عامين وحين بدأت أغني في بعض حفلات الزواج استنفرت القبيلة كل قواها لمنعى من متابعة هذا المشوار وحين رفضت أصبحت مطروداً ومنبوذاً من القبيلة والأسرة.

في بداياتك الفنية هل كنت تردد أغنيات تراثية أو أغنيات تابعة لفنانين آخرين ام بدأت مباشرة بأعمالك الخاصة؟

كما ذكرت لك كانت هناك جمعيات شبابية في الحي الذي كنت أسكن به او في الأحياء الأخرى وهؤلاء الشباب كانوا يغنون أغنيات تراثية رائعة حتى الآن لم اسمع أغنيات مثيلة لها ولا اعتقد بان هنالك شاعر ما في وقتنا الحاضر ان يكتب كلمات عاطفية جميلة مثل تلك التي كانت تقدم في تلك الأيام. كلمات تنبع من القلب وتؤثر على كل من يستمع اليها، مثل كلمات الفنان العظيم ود أمير وكنت احفظ تلك الأغنيات. وفنانين أمثال ود أمير وعجولاي وكماجنه كلماتهم، كانت رائعة ومؤثرة لأنها كانت صادقة لأنهم عايشوا الحب بإحساسهم وكانوا يشرحون مشاعرهم وهمومهم وأشجانهم للناس، الفنانين أمثال ود أمير وعجولاي لم يتزوجوا لأنهم فقدوا محبوباتهم وكذلك كماجنه، وكلماتهم نابعة عن معاناتهم في دنيا الحب، وإنني كنت أحفظ معظم أغنياتهم وكنت أرددها في الحفلات وفي بدايتي الفنية كنت مقلداً والذين استمعوا لي آنذاك كانوا يقولون بأنني مقلد ناجح.

يتبع …….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.