من مفكرتي: أيقونة الفن الإرتري الأمين عبد اللطيف-الجزء الثاني

بقلم وحوار: الأستاذ أبوبكر صائغ –

بين عشية وضحاها إختفي من حياتنا من كان سبباً في عشقنا للغناء والحب بصوته الرخيم الحالم وبأدائه المتميز على خشبة المسرح، رحل صاحب أغنية “فاطمة زهرة” التي ألهبت حماس الجماهير الإرترية المتعطشة للحرية والإستقلال وللثورة والنضال، رحل الأمين وترك خلفه مئات الذكريات التي تملأ عقولنا وقلوبنا، إختفي فجأة دون سابق إنذار، وهذا دأب الموت دائماً يأتي على حين غفلة ولا يفرق بين كبير أو صغير.

لم يكن الأمين مجرد مطرب ناجح ومشهور، بقدر ماكان أيقونه للفن الإرتري فى كل الحقبة حتى يوم رحيله، فهو قصة نجاح وصعود من قلب المعاناه الى قمة المجد، وتحويل الألم الى أمل ، وقد تربت أجيال وأجيال على صوته الدافىء وأغانيه الحالمه الرقيقه.

رحل اليوم عن دنيانا الفنان الكبير الأمين عبداللطيف وفقده ترك في القلب ألم وفي الحلق غصة، وتخليدا لذكراه سانشر الحوارت المطولة التي أجريتها معه عام 2007م على ما أعتقد حتي يكون القارئ ملماً بسيرته الذاتية ورحلته في عالم الغناء لأكثر من نصف قرن من الزمان شكل خلالها أحاسيس الناس بأروع ما تغني، فإلي الجزء الثاني من مضابط الحوار:

** – إعجابي بتلك الفتاة كان مصدر إلهامي بأغنيات كثيرة وكانت الملهمة لي في أشعاري وخيالي.

**- أقول لك الآن وبكل شجاعة إنني كذبت حين وصفت جمالها ومشاعري نحوها.

حدثنا عن أول أغنية خاصة بك وعن مدى نجاحها وتأثيراتها على المستمعين؟

من حسن حظي أنني نجحت في أول أغنية غنيتها وهي من كلماتي والحاني واسم الأغنية هو ((خاتم حظي زابيكو)) واعتقد إنني كنت موفق في الكلمات ولكنني لم أكن موفق في اللحن. وحين كتبت وغنيت تلك الأغنية القبائل الناطقة بالتقري كانت تقدم لدي الخطوبة قطعة من الذهب تعلق في الصدر يطلق عليها ((الحمر)) وأي بنت تعلق تلك القطعة يعني هي مخطوبة وحين كبرت وبدأت أغني قلت في نفسي لماذا نحن أفراد قومية التقري نقدم عند الخطوبة ((الحمر)) والمجتمعات كلها تقدم خاتم الخطوبة((الدبلة)) وقلت لماذا لا أغني أغنية تعكس هذه الرغبة والتوجه وكتبت أغنية “خاتم حقي زابيكو”.
ومن قبيل الصدفة في تلك الأثناء أنا كنت على وشك الخطوبة من فتاة كانت تسكن بجوارنا في الحي ورغبتي كانت لو تمت الخطوبة سوف أشتري خاتم للخطوبة بدلاً عن ((الحمر)) وفعلاً اشتريت خاتم الخطوبة ((الدبلة)) ولكن أهل البنت رفضوا طلبي، فكتبت أغنية خاتم حظي زابيكو … إقل من هبا يأمركو … ظبطت بيلوني … لولت لأقلى حريكو.
وأهل البنت قالوا لأهلي بنتنا أعطيناها لأحد أقربائها سلفاً.

هل كلمات أغنية ((خاتم حظي زابيكو)) تنبع من قصة حقيقة؟

فعلاً حين كتبت كلمات تلك الأغنية كنت أرغب في الزواج من تلك الفتاة وأهلي تقدموا لخطبتها لي ولكن أهلها قالوا انها مخطوبة وكتبت تلك الكلمات تجسيداً لتلك الحادثة ولكنني بالغت جداً في التغني بتلك الفتاة، وكل شاعر أحياناً يبالغ في الوصف وتلك الأغنية تعكس قصة حقيقية.

هل كان هناك قصة حب بينك وبين تلك الفتاة، وهل كنت تلتقي بها أو تشاهدها وتتحدث معها، وهل كان بينك وبينها إعجاب أم تقدمت لخطبتها على الطريقة التقليدية؟

في هذا الموضوع هناك حقائق يجب أن أقولها وهي أن تلك الفتاة كانت تسكن بجوارنا في الحي وكنت أشاهدها في الحي فقط ولم التقي بها قط ولم يكن بيني وبينها أي علاقة حب أو حتى معرفة عادية كل ما في الأمر كنت أشاهدها وكنت معجباً بها ولذلك قررت خطبتها ولكن قيل لي بأنها مخطوبة، وفي تلك الأثناء وضعي الاقتصادي كان غير مناسب للخطوبة، وخوفاً من أن يسبقني اليها الآخرون عجلت بمشروع الخطوبة، ولو تسمح لي أخي الكريم أن استرسل في الحديث في هذا الموضوع لوجود حساسية معينة وهناك رسالة أرغب في توجيهها لمن يهمه الأمر في هذه الناحية.

كما قلت لك تلك الفتاة كنت معجب بها من بعيد لبعيد فقط، وأتحدث في هذا الموضوع لأول مرة في حياتي وهنالك عوامل كثيرة أجبرتني للحديث، وكما ذكرت لك سلفاً أهلها قالوا لأهلي بأنها مخطوبة لأحد أقربائها، حتى هنا القصة كان من المفترض أن تنتهي وإعجابي بتلك الفتاة كان مصدر إلهامي بأغنيات كثيرة لتلك الفتاة وكانت الملهمة لي في أشعاري وخيالي بالغت كثيراً في التغني بمحاسن وأوصاف تلك الفتاة، وأقول لك إنني بالغت … بالغت جداً في وصف تلك الفتاة بل وكذبت في مشاعري عبر وصفها بكلماتي حتى كلمة بالغت ربما لا تفي بالغرض، وأقول لك الآن وبكل شجاعة إنني كذبت حين بدأت اصف جمالها وكل شيء فيها وشرح مشاعري نحوها لدرجة أن أهل البنت اشتكوا لأهلي بعد ان سمعوا تلك الأغنيات التي لم تسجل بأي جهاز تسجيل، والكلام وصل الى خطيبها، وخطيبها رفض الزواج وقال اعطوها لمن يحبها، علماً ما كان بيني وبين تلك الفتاة أي علاقة تذكر وهي كانت مجرد صورة في الذاكرة الهمتني الشعر لكي أكتب أغنيات كثيرة، هذه هي الحقيقة ولم التقى بها أبداً ، ولم يكن بيني وبينها أي همسات، وتلك الفتاة كانت من عائلة محترمة جداً والبداية كانت مجرد نظرة فقط لا أكثر ولا أقل، وخطيبها قال أعطوها لمن أحبها، أنا لا أعرفها ولا تعرفني، ولكن أهله وأهلها قالوا هذا واحد مجنون فقط وقالوا لخطيبها لا تهتم بهذا الموضوع وهذا الشخص لا يعرفها ولا تعرفه.

وهذه الفتاة كانت تمثل بالنسبة لي شيطان الشعر وبدأت أصف كل شيء فيها وبالغت كثيرا بل وكذبت في وصفها. وزواجها كان بالوكالة، وحين سافرت كتبت لها ابيات شعرية جميلة أذكر منها:

إتنسيا لأعمل لأقلي بقسكي
عدا مطكوا إقل إسالمكي
عنكي بكيت وأستنتنت كبدجي
إقل إتهاقي أدام على خجلكي
إسلامت شوكن قِدِم دحن لهبكي.

وهذا الكلام لم يحدث في الواقع وغنيت هذا المقطع في إحدى أغنياتي، ويؤلمني جداً وأنا في هذا العمر والحمد لله عمري الآن 68عام، أقول لك وبكل صراحة يؤلمني الكلام الذي كتبته في هذه الفتاة، وكان مجرد خيال شاعر انعكس على الواقع ولبس ثوب الحقيقة وتفاعلت معه الناس واكتشفت الأن أن تلك الفتاة كانت مجرد ملهمة فقط وامرأة من الخيال. وللأسف الشديد أن تلك الفتاة تزوجت وخلفت، وفي عام 1996م، حدث معي حادث غريب وهو إنني كنت مريض وطريح الفراش في إحدى مستشفيات لندن، لإجراء عملية جراحية، والإرتريون المقيمون في لندن كانوا يزوروني بكثرة خلال فترة وجودي في المستشفى، وأذكر حضر عندي في إحدى المرّات أحد الطلاب الارتريين الذين يدرسون في القاهرة وجلس جواري وقال لي يا أستاذ الأمين نحن نستمع لأغنياتك باستمرار وكل الطلاب معجبين بأغنياتك إلا إثنين فقط يكرهوا أغنياتك وحين سمعت هذا الكلام ذهلت … ذهلت جداً من كلامه أولاً لأنني أحسست أن هذا الكلام كلام غير عادى، ثم قلت له هذا شيء طبيعي جداً وإنني لا انتظر أن يستمع لي كل الناس، وقال لي الطالب: لا يا أستاذ الامين الطالبان اللذان يكرهان سماع أغنياتك لهم عذرهم، وقلت له: ما هو عذرهم؟ قال لي “بيكرهوك لأنك غنيت لأمهم”. حقيقة ذهلت بل صعقت من الكلام الذي قاله لي الطالب، وقلت له أنا غنيت لأمهم قال لي نعم، صدمة حقيقة ورجعت بذاكرتي للوراء وشعرت بألم شديد، ووقتها أنا كنت مريض وطريح الفراش بالمستشفى ولكن هذا الكلام زادني ألماً وسرحت كثيراً وقلت في نفسي يا ترى هل ارتكبت جرم في حق هذه البنت وحقيقة إنني أجرمت في حقها؟ بنت بريئة أنا لا أعرفها ولا تعرفني، ولا أتذكر شيء في حياتي عنها سوى إنني شاهدتها بحكم الجيرة مرّات عديدة ومن بعيد لبعيد وهي تعبر الشارع، حتى السلام العادي ما كان موجود بيننا.

وحين سمعت كلام الولد تأثرت كثيراً، وتساءلت كيف ينظر هؤلاء الشباب لأمهم البريئة أصلاً، وتألمت كثيراً حين سمعت هذا الكلام وأتمنى أن يقرأ أبناؤها هذا الكلام ويفهموني وأقول لك أستاذ أبو بكر بصدق لم أجد الفرصة المناسبة لأقول هذا الكلام إلا عبر صحيفة إرتريا الحديثة وكم مرة تمنيت لو زرت القاهرة خلال تلك الفترة وكنت أتمنى أيضاً أن أخرج من المستشفى معافى لأزور القاهرة وأجلس مع أبنائها لأقول لهم الحقيقة ولكن لم أوفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.