حجي جابر .. ابتعد عن السياسة.. ابتعد عن الحياة!

كثيراً ما نسمع من ينصح أو يدعو أو يأمر الآخرين بالابتعاد عن الحديث أو الاهتمام بالسياسة لصالح الانشغال بالحياة. وفي ذلك بعض المنطق لولا إلحاح هذا السؤال: هل فعلاً ثمة حياة خارج حدود السياسة في منطقتنا هذه؟


برأيي أن ثمة خلطاً في فهم ما تعنيه السياسة بين ما هو كائن في العالم الغربي وبين منطقتنا الموبوءة بالحروب والعذابات والفساد وقتامة الحاضر والمستقبل. إذ يبدو مفهوماً أن يبتعد الإنسان الغربي عن الخوض في السياسة وينشغل بحياته العريضة خارجها. فحياته مصانة اجتماعياً واقتصاديا وقانونياً، بحيث لا يبقى أمام السياسة والسياسيين إلا هامش بسيط على مستوى تغيير الوجوه وبعض السياسات التي لا تمس صميم حياة المواطنين المحفوظة، بالقانون والعرف والبديهة. وتبعاً لذلك فإن أي حديث غربي في السياسة، هو حديث في كماليات الحياة ومحسناتها في الغالب الأعم.

فحين يهتم الغربي بالسياسة ويتحدث فيها، فهو يكون قد تجاوز فرضه إلى النوافل، حيث الموقف من الهجرة، أو واقع الضرائب أسوة بدولة مجاورة، وحتى مدى وفاء الرئيس بوعوده من عدمه، حين كان مرشحاً في ما يتعلق بالاهتمام بالبيئة، أو حماية أسماك القرش من الانقراض على سبيل المثال!

أما عالمنا الواقع فأغلبه في قلب الحريق، والمفتقد لأبسط أساسيات الحرية والعدالة والعيش الكريم، ماذا سيتبقى له إن لم ينشغل بالسياسة؟

الحديث في السياسة في الوطن العربي هو حديث عن الحياة المفقودة، الحياة المسلوبة في وضح النهار بفعل فاعل. الحديث في السياسة حديث عن رهق الأجيال السابقة، وتعاسة الأجيال الحالية، وضبابية حال الأجيال المقبلة.

لذا من يطالبون الناس بترك الحديث في السياسة، وعدم الانشغال بها، على افتراض وجود فضاء واسع دونها، هم في واقع الأمر، بقصد أو بدونه، يطالبونهم بالبقاء على هامش الحياة، والرضا بالفقد كأغلى الممتلكات.

وأخطر من هؤلاء هم أولئك الذين لا يدعون الناس صراحة لتجنب الحديث في السياسة، وإنما يتحدثون في برامجهم، وندواتهم، ومواعظهم، عن كل شيء عداها، فيشغلون الناس بهذا الهامش ويصورونه كعالم فسيح، طالما أنه لا يقترب من السياسة. وأنا هنا أفهم أن لكل حال ما يناسبه، فلا يمكن إقحام الحديث عن الانتخابات ونتائجها بطريقة تقريرية في عمل فني مثلا، وليس هذا ما قصدته، فأي عمل فني مهما كان إطاره يعرض رؤية ناقدة للحياة بكل أشكالها هو في قلب السياسة وإن خلا من مفرداتها، وهكذا في بقية الأمور.

ولا أجد وصفاً مناسباً للذين حين يغادرون منطقتهم المريحة تلك يغادرونها إلى منطقة أكثر راحة، حيث مناصرة الظالم، والانحياز له على حساب المقهورين. فيأتي حديثهم النادر في السياسة ليكرس الظلم القائم، أو ليتحول سوطاً على جلود المقهورين المأمون جانبهم، دون أي التفاتة لمن يجب أن يوجه إليه النقد أصلا.

ويبدو لافتاً أن كثيراً ممن يتجنبون الخوض في السياسة، يغيب عن بالهم أنهم بذلك إنما يمارسون السياسة فعلاً وقولاً. فمن يُحجم عن إبداء رأي أو اتخاذ موقف، حين يكون ذلك مطلوباً، هو حتما يُبدي رأيا ويتخذ موقفاً في الاتجاه الآخر، اتجاه النأي بالنفس والتنصل من تحمل المسؤولية، في الدعم أو الإنكار. ولعلّ من المفيد هنا استحضار تلك المقولة لمارتن لوثر كينغ والتي قد تخطر ببال كل مظلوم: «في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا».

أخيراً، ولأن السياسة في بلداننا لا تحمل نفس المعنى في بلدان الآخرين، فالامتناع عن الحديث عن القتلى والمظلومين والمغلوبين والمسحوقين، ليس امتناعاً عن الخوض في السياسة، بل هو سقوط أخلاقي وخذلان بيّن، لا تستر عورته كل تلك المساحيق التي يتجمّل بها دعاة البعد عن السياسة، البعد عن الحياة!

 

صحيفة الوطن القطرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.