في ذكرى رحيل القائد الشهيد ادريس محمد آدم مندر مؤسس جبهة التحرير الإرترية—

رابطة ابناء المنخفضات الارترية

في العادة عندما يكون الحديث عن رجال صنعوا التاريخ بفكرهم وعطائهم وصاغوا له الدروب وفتحوا له المنافذ ليطرزوا فيها بصماتهم ويحفروا عليها آثارهم فإن الكلمات لا تأتي جزلى ولا تكون حروفها طرية لينة لترسم لنا المشهد كما رأيناه او كما روي لنا ، بل تجد ان الجمل مهما فخمت وكيّفت فإنها تبدوا خائرة ضعيفة لا تجسد لنا مشاهد دروب هؤلاء الرجال ( صانعي التاريخ ) كما نحسهم في وجداننا ، ولكن مع ذلك ولمناسبة مرور الذكرى الثالثة والخمسون لانطلاقة ثورة الفاتح من سبتمبر العملاقة والتي سبقتها بأيام اربع ذكرى رحيل القائد الشهيد ادريس محمد آدم مندر رئيس اول برلمان ارتري عام 1955 في فترة الحكم الفيدرالي لارتريا ومؤسس جبهة التحرير الإرترية . فإننا نجد انفسنا ازاء حدثين كبيرين يجسدان امام هذا الجيل قصة شعب صامد وثورة باسلة .

تتداخل المناسبتان لتبدوا كالمشيمة والحبل السرى فكلاهما كانا ومثلا فعلاً رحم الولادة والانبثاق المعاصر للانسان الارتري الجديد الذي تجاوز بقدرات ظاهرة وجلية معطيات عصره في القارة الإفريقية فرفض الذل والهوان والاستعباد ، وانطلق بعنفوان ليعلن ميلاد ثورة مباركة اندلعت لتبقى وصمدت باسطورة لتفرض انتصارها الماحق على العدوان والاحتلال الاثيوبي الغاشم .

وعبر هذه السطور ومن باب الوفاء للثورة وعطائها ورجالها وشهدائها فإن الحديث عن القائد الشهيد ادريس محمد آدم نراه ضرورياً وهاماً لتكتمل به لوحة الاحتفاء والتخليد لسبتمبر الثورة والنصر ، فالرجل وعبر صفحات عطائه وصموده ومعاناته كان الابرز ضمن دائرة رفاقه في عقد الخمسينات والستينات من القرن الماضي ليضعوا اللبنات الاولى لانطلافة الكفاح الثوري المسلح .

….

ولد الشهيد القائد ادريس محمد آدم مندر لعائلة ارترية اصيلة في منطقة بركا من ارض المنخفضات وتحديدا في مدينة اغردات الباسلة في مطلع العشرينات من القرن الماضي وحددته بعض الكتابات التي ايدت بشهادات افراد من اسرته الكريمة في العام 1921م ، وكحال معظم الاسر في ذلك الوقت فقد كانت الزراعة واستثمار الارض مهنة والده المرحوم الشيخ محمد آدم مندر الذي توفى في مدينة كسلا في شرق السودان في عام 1972م .

وفي السودان  وبحكم سنه لم يمارس الفتى ادريس أي مهنة ولكنه نال قسط من التعليم في مدارس وخلاوي شرق السودان التي كانت سائدة آنذاك كمنارات علم في مدينة القضارف ، ولم تلبث العائلة ان عادت الى مدينتها اغردات ويواصل الشهيد القائد تعليمه ويجتهد في دراسة اللغات الايطالية والانجليزية اللتان نال منهما حظاً ليعين في عام 1945موظفاً في محكمة اغردات .

تكونت عبر هذه المحطات التي تجاوزت العقدين والنصف شخصية القائد الشهيد وظهر فيها الحزم والانضباط والجدية ، كما تبلور على نحو جلي اهتمامه بالهم الوطني الصاخب حوله على امتداد المدن الارترية وكانت الحركة السياسية التي تموج في العاصمة اسمرا تصل تردداتها بقوة الى مدينة اغوردات التي عبرت في وقت مبكر عن ارتباطها الوثيق بحركة الاحزاب السياسية ومقارعة سلطة الامبراطور واعوانه وازلامه واصبح الشهيد القائد رئيساً لفرع حزب الرابطة في المنطقة الغربية وهو الحزب الذي شكل الكتلة الاستقلالية لمواجهة لطرح الانضمام الى اثيوبيا وهي دعوة الاحزاب الموالية لاثيوبيا . ومن موقعه كرئيس لفرع الرابطة الاسلامية تميز الشهيد بعطائه وحزمه كما اظهر لكل ابناء جيله العطاء والاهتمام المتميز بالعمل الوطني ودفعهم اليه باسلوبه الرصين وشخصيته التي اثرت ايجابياً واحبها كل من احتك بها .

لقد كانت تلك المرحلة مهمة في حياة الشهيد القائد ادريس محمد آدم حيث نال ثقة كل المحيطين به مما اهله ليكون  منذ مطلع العام1950م رمزا لامعاً ووطنياً جسورا يدافع بجسارة عن حقوق اهله وشعبه ويواجه مؤمرات الامبراطور الاثيوبي المدعوم من الغرب بقوة وتصدي جرئ ، وهو ما ظهر عندما واجه الشهيد مبعوث الامم المتحدة الى ارتريا الذي جاء لتقصى الحقائق عن رغبة الشعب الارتري وتقرير مصيره وقال له بلسان الشعب اننا لا نريد لغير الاستقلال بديلا ولا نرضى باي وصاية ولكن ولضراوة ادوات الامبراطور فقد تم تمرير قرار الاتحاد الفيدرالي المشئوم عبر مائدة الامم المتحدة ، فما كان من القوى الوطنية الا ان استوعبت تلك اللعبة الخبثية من اثيوبيا وقررت مواجهتها باسلوب وطني جاد وحازم .

في هذه الاثناء تشكلت الجمعية التأسيسية لوضع دستور ارتري يحدد دور ومهام الحكومة الارترية تحت الحكم الفيدرالي وتم اختيار ادريس محد آدم عضوا في هذه اللجنة وكان مدافعاً قوياً عن استحقاقات الشعب وضرورة نيل استقلاله , وعندما حانت ساعة الانتخاب للبرلمان الارتري قام الامبراطور بحبك الدسائس ورسم الخطط من اجل وضع شخص موالي ومحب لاثيوبيا على راس البرلمان ولكن استطاعت القوى الوطنية ان تدفع باصواتها لصالح ادريس محمد ادم الذي فاز برئاسة اول برلمان في ارتريا في عام 1955م ، غير ان اثيوبيا وعبر عملائها ومن اشترت ذممهم ما فتأت تحوك الدسائس من اجل ابعاده عن رئاسة البرلمان لانها عجزت عن تمرير أي قرار لصالحها وكاد السيد ادريس محمد ادم ان يحول البرلمان الى قوة وطنية ضاغطة على الاستعمار وادواته الى ان جاء تاريخ 13 يونيو 1956م ومارست اثيوبيا لعبتها القذرة وتآمرت عبر بعض اعضاء البرلمان في الجمعية العمومية لاقالة ادريس محمد ادم من منصبة وتولية عنصر اخر بحسب رغبة اديس ابابا .

::::

كان هذا التاريخ محطة فاصلة في حياة المناضل ادريس محمد ادم ورفاقة من الكتلة الاستقلالية حيث قرروا تغير وسائل عملهم ونقل منصتها الى الخارج بعد ان ضاقت البلاد بمؤامرات الامبراطور الذي نسف القرار الاممي وسعى لضم ارتريا الى خارطته . وضعت الخطة من اطراف وأفراد من السودان الذي كان تحت ذات النفوذ البريطاني لنقل ادريس محمد ادم ورفيقه ابراهيم سلطان علي للقيام بدور تعبوي لصالح القضية الارترية في الدول العربية والخارج . وكان السودان المحطة الاولي ثم مصر وفي كلا الدولتين استطاع السيد ادريس من خلق علاقات وطيدة مع شخصيات سياسية وعامة ذات اهمية ، وخلال هذه الرحلة واللقاءات تبلورت القناعة بتأسيس تنظيم وطني مسلح لمواجهة قوة الاحتلال الغاشمة وفعلاً انشئت جبهة التحرير الارترية في يوليو عام 1960م كتنظيم مسلح يمارس الكفاح المسلح ضد الاحتلال وقرر الزعماء ان يكون التنظيم في المرحلة الاولي سرياً الى ان يمتلكوا السلاح وادوات المواجهة ويؤمنوا الحلفاء وتشكلت قيادة هذا التنظيم برئاسة ادريس محمد ادم .

في الفاتح من سبتمبر عام 1961م دوت بندقية القائد الشهيد حامد ادريس عواتي من قمة ادال في المنخفضات الارترية معلنة انطلاق شرارة الكفاح المسلح ورافعة شعار تحرير ارتريا كاملا ، وظل القائد ادريس محمد ادم يطرق ابواب الدول باحثاً عن السلاح والدعم السياسي والمعنوى للثورة كما قام في اتجاه اخر بالبحث عن فرص التعليم والمنح الدراسية للشباب الارتري الذي كان يرى ضرورة نيلة الشهادات العليا من اجل المساهمة في بناء وطنه .

استمر القائد ادريس في قيادة جبهة التحرير ارتريا من العام 1960 – الى العام 1971م وهي عشر سنوات شهدت الكثير من الاحداث ولكن المهم والاهم ان هذه السنوات هي التي ثبتت فيها اقدام الثورة وعرفت في كل الاصقاع وتمكنت من خوض معارك ضارية وحاسمة مع العدو الاثيوبي . انتخب ادريس محمد ادم رئيساً للمجلس الثوري من المؤتمر الاول واستمر في قيادة الجبهة في مرحلة عصيبة على الصعيد الداخلي للثورة ولكنها مثلت مرحلة فتوحات جدية وقفت عبرها جبهة التحرير الإرترية على قمم اراضي محررة كثيرة في الريف الارتري . في المؤتمر الثاني لجبة التحرير الارترية لم يرشح القائد ادريس محمد ادم نفسه لاي قيادة وآثر ان يتولاها غيره من المناضلين ولكنه ظل وهو خارج قيادة الجبهة يتابع باهتمام تطورات العمل السياسي الارتري وبعد اعلان استقلال ارتريا شارك كغيره من الوطنين في ابداء رأيه بنعم لاستقلال ارتريا في الاستفتاء العام وهو يعاني المرض في الاراضي السعودية ولكنه كغيره من الوطنين الاحرار اصيب بالالم لما يعانيه الشعب الارتري حتى وافته المنية في المملكة العربية السعودية في الثامن والعشرين من اغسطس عام 2003م ودفن فيها. رحم الله الشهيد القائد ادريس محمد ادم مندر وتغمده وكل شهدائنا في عليين مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا .

رابطة ابناء المنخفضات الارترية

مكتب الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.