1156397

الدروس المستفادة من التجربة الأسكتلندية

كلمة التحرير :

أعاد الإستفتاء الذي أجرته اسكتلندا في الثامن عشر من شهر  سبتمبر 2014  إلى الإذهان  التاريخ الحافل بالحروب والصراعات الدامية التي دارت  بين الممالك المكونة لانجلترا من جهة وبينها وبين مملكة اسكتلندا من جهة أخرى ، والتي أفضت لخيار الوحدة بفعل عوامل خارجية وأخرى داخلية    وفق إتفاقية شراكة  تراضي  حفظت  لكل طرف من أطراف الإتحاد  حقوقه ومصالحه  الخاصة في السلطة والثروة بشكل عادل   .

لقد أدى انتهاء الحكم الروماني وخروجه من انجلترا  واجزء من جنوب  اسكتلندا التي خضعت  له لأعوام عديدة  إلى استقرار الأنجلو – ساكسونيين في بريطانيا فسعوا  لمحاربة دويلات الخلفاء البريطانيين في ويلز  ومناطق الشمال القديمة  لتوسيع نفوذهم  وفرض هيمنتهم عليها ، ومع اشتداد الهجمات الخارجية من قبل الفايكنج ( القادمين من الدويلات التي تعرف حالياً بدول اسكندنافيا ) وسيطرتهم على مساحات  شاسعة مما تسمى الآن بانجلترا حاول حكام عدة توحيد الممالك الأنجلوساكسونية  المختلفة  ، وأدت هذه الجهود إلى نشوء مملكة انجلترا بحلول القرن العاشر الميلادي  . سعى بعدها  الملك إدوارد الأول لاحتلال اسكتلندا  حيث اجتاحها في العام 1296م  ، خاض على اثرها  الشعب  الاسكتلندي  الذي توحد على يد  كينيث الأول الذي يعتبر مؤسس المملكة الاسكتلندية  حروب طاحنة  مع مملكة انجلترا  التي انتهت بانتصاره في العام 1357م  لتستعيد بذلك اسكتلندا استقلالها  .

في عام 1502 وقع ملك اسكتلندا جيمس الرابع وملك انجلترا هنري السابع معاهدة سلام دائم لوضع حد للمعارك المتقطعة بين البلدين . ولترسيخ هذا الميثاق قدم هنري الخامس ابنته مارغريت زوجة لجيمس الرابع.

وفي عام 1603 اصبح ملك اسكتلندا جيمس السادس ملكا لانجلترا باسم جيمس الاول وذلك بعد وفاة الملكة اليزابيث الاولى ، واعلن جيمس الاول نفسه ملكا لبريطانيا العظمى واستقر في لندن رغم  بقاء البلدين  مستقلين  عن بعضهما .

وبعد مائة عام واثر مفاوضات طويلة وقعت عام 1707 معاهدة الوحدة التي رسخت قيام المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى بين الممالك الأربعة المكونة للإتحاد وهي ( انجلترا ، ويلز ، ايرلندة الشمالية ، واسكتلندا ) .  وهي دولة اتحادية ذات نظام ملكي دستوري  يحكمها نظام برلماني وتتمركز الحكومة في العاصمة البريطانية  لندن ، لكن هناك حكومات محلية  في عواصم المكونات الأربع لدولة الإتحاد  تتمتع بحكم ذاتي داخلي .

والجدير بالذكر أن الوحدة التي جمعت أركان ممالك المملكة المتحدة هي وحدة طوعية  لم تفرض  بالقهر والأستبداد والإقصاء  بل تمت على أساس التوافق والتراضي على تقاسم السلطات والموارد بما يحفظ حق الجميع .  وقد دامت  لمدة 307 أعوام نعمت فيها شعوب المملكة بالأمن والإستقرار والنماء والإزدهار السياسي والإقتصادي .

لذلك لم تحد الحكومة المركزية في لندن عن الأساس  الذي قامت عليه الوحدة  وهو الخيار الطوعي الحر  عندما تقدم البرلمان الأسكتلندي بطلب لإجراء أستفتاء لتقرير مصير اسكتلندا في البقاء ضمن الإتحاد أو الإستقلال عنه ، رغم الخسائر الكبيرة التي سوف يسببها  الإنفصال على المستوى السياسي والإقتصادي لانجلترا . فكان أن تم إجراء  الإستفتاء في 18 من سبتمبر 2014 في جو ديموقراطي نزيه  أتاح للاسكتلنديين التعبير عن قرارهم بحرية تامة .  فكان نتيجة هذا السلوك الديموقراطي الحضاري   بأن اختار ت اسكتلندا البقاء ضمن الإتحاد بنسبة 55.3% مقابل 44.70% .

قبل على إثرها زعيم الحزب القومي الأسكتلندي أليكس سالموند  الذي قاد حملة الإستقلال  بنتيجة الإستفتاء بصدر رحب  قائلاً ” قررت أسكتلندا بالأغلبية أن لا تصبح دولة  مستقلة ، وأنا أقبل هذا الحكم ” وطالب لندن بالإيفاء بتعهداتها في نقل المزيد من السلطات لها . وعلى الجانب الآخر فقد هنأ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون نظيره الأسكتلندي على قيادته للحملة وطالبه بالإنضمام لمحادثات نقل سلطات جديدة لاسكتلندا .

بهذا فقد أرست المملكة المتحدة مثلاً يحتذى به في العالم أجمع في الممارسة الديموقراطية وعلى بقاء وصيانة وحدة الشعوب  من خلال مبدأ الطواعية  .

فكما حافظ هذا الإستفتاء على وحدة المملكة فقد شكل مدخلاً لحصول  بلدانها الأربعة على المزيد من السلطات في إدارة شئونهم ، واصلاح دستوري أوسع في جميع أنحاء بريطانيا  وإلى إعادة تشكيل الإتحاد  بما يضمن  بناء الوحدة على أساس متين  . ومن نتائج إنعكاسات هذه التجربة الرائدة على المستوى الأوربي أنها ستؤدي إلى خفوت النزعات الإنفصالية في إيرلندا وكذلك دعاوي الإنفصال في اسبانيا وكندا .  بما يؤكد ان الدرس المستفاد من هذه التجربة هو تعزيز الوحدة الطوعية القائمة عل التراضي والإختيار الديموقراطي الحر .

أما على مستوى   العالم الثالث  الذي ظلت دوله تعاني من عدم الإستقرار منذ نشوء كياناتها الوطنية  بسبب الصراعات الداخلية المستمرة بهدف الأستيلاء على السلطة  وتكريسها لاحد الأطراف على حساب المكونات الأخرى ، وفشل نخبها  في الإهتداء للوسيلة الأنجع في إدارة التنوع والتعدد الذي تذخر به مجتمعاتها لنزع فتيل الصراعات والتأسيس لحياة مستقرة  يسودها العدل والأمن لشعوبها ، فإن التجربة الأسكتلندية هي النموذج الأصدق  الذي يجب على هذه الدول الإقتداء به والإستفادة من الدروس التي قدمتها للعالم أجمع  وما يعنينا منها كإرتريين بشكل خاص  النصيب الأكبر .

  • التجربة الأسكتلندية تأكيد عملي لإرساء الفهم والأسس الصحيحة التي يجب أن تبنى عليها الوحدة الداخلية  في إطار التعدد  بعيداً عن المنطق الشوفيني الإقصائي  الذي درج التعامل به  ، فأسس ومبادئ الوحدة يجب أن تبنى على الإرادة الطوعية  الحرة  في ظل توافر وسائل التعبير والممارسة الديموقراطية  التي تضمن ممارسة هذا الحق  وقبول نتائجه بروح عالية  والإعتراف بها للعيش سوياً بالتراضي  باعتبار انه صمام الامان  لوحدة متينة  تقوم على خدمة مصالح وحقوق الجميع  ،  وتضع حداً فاصلا للتغول والظلم الذي يمارس  باسم الوحدة الوطنية والحفاظ عل الكيان ، وان اي وحدة لاتحقق هذه الاهداف هي وحدة واهنة  ومرفوضة لامحالة .
  • الوحدة تقوم على مصالح ملموسة على أرض الواقع  تربط بين الأفراد والجماعات  وتعزز المصالح المشتركة بينهم .
  • الوحدة تضمن حق المشاركة العادلة في السلطة والثروة لجميع المكونات  ، وإن أي إختلال بين عناصر الربط  القائمة بينها يعرضها للإنتكاس .
  • يجب على الوحدة أن تحمي وتعترف وتحترم التعدد بجميع أشكاله  الثقافي والسياسي والإقتصادي  للمجتمعات صاحبة المصلحة .
  • إن حق تقرير المصير هو إجراء ديموقراطي يتم من خلاله الفصل والفرز الحقيقي بين الوحدة السليمة القائمة على الأسس الحقيقية  وبين الوحدة المفروضة قسراً  ، وهذا هو أعظم الدروس المستفادة من التجربة الإسكتلندية .

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.