“قُبُوب قَبَّكا” و مورفين الوطنية

    (محجوب محمود  ) – أمريكا

هل أدمنا مورفين الوطنية ؟

وبتنا نعيش في التاريخ ، الحنين لوطن ، !! فرغم حقيقة نفرة الآباء بامكاناتهم المتواضعة وإراداتهم التي لاتعرف الخنوع في وجه سليل الأباطرة وحليف الأمريكان ، هناك من لم يزل يفضل تناول جرعات مورفين وطني تعينه على تحمل ألم جراح الوطن ، لأن الوطن عندهم  حالة ذهنية لا واقع مفجع .

وكما قال الشاعر محمود درويش :

” الحنين ندبة في القلب ، وبصمة على جسد

لكن لا أحد يحن إلى جرحه .. لا أحد يحن إلى وجع  أو كابوس ، بل يحن إلى ماقبله ، إلى زمان لا ألم فيه سوى ألم الملذات “

لذلك كانت رابطة أبناء المنخفضات حلم الإرادة لا حالة حنين منتقاة من سياق تاريخي  .

وبجانب أهل الحنين هناك أصحاب الحلاقيم ، وهم أفراد من نتاج تجربة المنخفضات سنحت لهم التجربة بأن يكونوا واجهة عمل عام ، إلا أنهم فاقدي موهبة وعاطلي فكر ، إضافة لأنهم والغون  في التواطؤ والإستبداد والقمع والإلغاء بخدمتهم في بلاط أسياس ، وبلغت بهم الجسارة مبلغاً عجبا ، فهم عندما كانوا خدم لبلاط أسياس غضوا الطرف عن تنكيل وقمع السلطة للمنخفضات ولم يمسهم ضرٌُ  أو يعتريهم حياء بأن تكون أرض كبسا ملك حر لأهلها بسند ودعم دستوري ويتم أستباحة   المنخفضات  كأرض مشاع بتبرير فطير يركن لحقبة الإستعمار  الإيطالي ، كحقيقة تاريخية ، فهل المنخفضات تم ضمها إلى إرتريا بعد دخول إسياس إلى أسمرا !!! ؟  أم أن التاريخ يبدأ من كبسا وينتهي عندها ؟

فبعد خدمتهم في بلاط اسياس لم ينالوا شرف خوض معارك هذا المجتمع  ضد سلطة أسياس ، ولم يفلحوا  في جني مغانم السلطة عدا مغنم اللجوء للمنافي ، إن كان ذلك مغنم ، لذلك ليس مبلغ همنا أصحاب الحلاقيم الذين قال عنهم  وايلد أوسكار :  ” الوطنية فضيلة الفاسدين ”  لأن رابطة المنخفضات ليست مبادرة لإنقاذ الحمقى ومتنطعي الوطنية .. الذين يرون في الحقوق ورفع الظلم الممنهج افساد لعرسهم “الوطني” .

فالتوظيف الجزافي لمصطلح الوطن والوحدة الوطنية يجافي واقع الحال ، فالوطن ووحدته ليس عِلم غامض بحاجة  لكهنة لفك طلاسمه ، لتصبح علاقة المواطن بالوطن علاقة واسطة تبلغ به لأعلى مراتب الوطنية تبعاً للوسيط ، إذا كان من أهالي كبسا أو من أهل الحلاقيم ، بل واقع يستند على حقائق ، لذلك لايجب أن نلبس حقائق الواقع من إخضاع ومحو وقمع واستيطان ثياب الوطن والوطنية .

هذا الإستخدام الجزافي للوطن والوطنية يعلن صراحة بأن مطالب أهالي المنخفضات في العدل والحرية والكرامة تشكل عبئاً على (( وطنيتهم )) وعليه تكون الوطنية قسمة ضيزة ينالها الكبساوي كمنحة إلاهية ويتحمل عبئها أهالي المنخفضات كقدر رباني  سماوي لافكاك منه ، ولاتكتمل الوطنية إلا بالتقرب إليها عبر وكلاء ( السلطة وخدام بلاطها) ويصبح وعي المواطن بذاته ووطنه عن طريق الوكالة وعي بلا مضمون أو انتماء ، وعي برخصة رسمية !!! وعي خدام بلاط أسياس الذين يمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم لاتتخطى سقف خطوط النظام الحمراء حتى وهم على مقاعدهم الوثيرة في العالم الحر لأن قيم الحق والسلام لاتتعدى حقه في الإرتزاق باسم  هذا المجتمع  والسلام لايتجاوز سقف سلامته الشخصية  . فوطنية التقرب للنظام زلفى تصطدم بجدار الحقائق التاريخية لا الركون إلى المصطلح والغوص في بطون المعاجم لضبط مفهوم ودلالة معنى الوطن ،  فالوطن الوعد لا الكيان هو من أشواق وبنات أفكار المنخفضات ، وعد ممهور بدماء الآباء وتضحياتهم ومخصوم من حاضر الأبناء في معاشهم الراهن ومرحل للأحفاد في المعسكرات والملاجئ والمنافي  ، فهل يجب الإعتذار عن وطن الوعد والأشواق لأنه يفسد ((وطنيتهم )) ويخدش حياءها العام في واقع تطالب فيه اسكتلندا بحق تقرير المصير ، رغم أن المتلقي أو المتابع لايرى إلا فرق اللكنة بين الإسكتلنديين وبقية مكونات المملكة المتحدة وغير مصحوب بالغاء ومحو وتقرنة واستيطان . وإذا غضينا الطرف عن رفاهية العالم الحر  ماذا عن مطالب شعب الجنوب  العربي في اليمن السعيد ، هل شعب الجنوب العربي فارسي وشعب الشمال اليمني عربي قحطاني  وهل يدين شعب الجنوب العربي بالمسيحية على المذهب الكاثوليكي بينما شعب الشمال اليمني مسلم سني المذهب ؟

فكرة المنخفضات ليست طوبوغرافية في خارطة بل جغرافيا طبيعية وتاريخ سياسي إجتماعي محفوف بقيم وتجربة ، بهذا المعنى فإن المنخفضات كتاريخ وجغرافيا وتعايش إجتماعي وتجربة كانت القوى الفاعلة في تقرير مصير إرتريا عندما كانوا غيرهم جند مجندة في جحافل عسكر وشرطة وأمن الإمبراطور هيلاسلاسي ، لذلك لم يجد منتقدي الرابطة إلا الإستعانة بمصكوكات سلطة أسياس ومطبخ إعلامه السلطوي وتعاملوا مع طرح الرابطة من خلال ثقافة السلطة التي تجرم وتأثم أي إنتماء غير كبساوي ، لذلك  استعانوا في النقد بكتاب أبله نظيرة السلطوي وتم تحديد المقادير بوعي مخترق :

نصف معلقة بهار انفعال (( وطني ))

معلقة  ونصف معلقة تلفيق

معلقة ونصف خطابة جوفاء

دون الإستناد في النقد لواقع إجتماعي ( قومي ، قبلي ، جهوي ، مناطقي … إلخ ) أو الإنحياز لموقف فكري ( علماني ، ليبرالي ، إسلامي …. ) لأن  من حق كل إنسان أن يكون له تصور عن ذاته وعن الآخر ، وإغفال تام عن تصور واقع المنخفضات الذي لا يمازجه استعلاء أو تميز أو يخالطه عرق أو قبيلة ، بل واقع قيم إنسانية سامية لأن المنخفضات تنوع وفي التنوع ينتفي الإصطفاء .

ولأن الرابطة انتصار صغير يبيح لنا الفرح والإنتشاء ويمد لنا الطريق لإعادة إنتاج مجتمع المنخفضات الواعي بتاريخه وقيمه والمدرك بأن إرادته الحرة كانت سبباً في وجود خريطة وعلم ومازالت قادرة على بعث وطن لاكيان ، ففي المنخفضات تشرق شمس التغيير دائماً رغم غيوم الإستبداد وأعاصير القمع وسونامي الإلغاء والمحو ، فالمنخفضات تحتفي بالتنوع  لأنه نسيجها ونشيدها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.