إرتريا – أصلاًَََََ – كيان انبثقَ من رحم الثنائية

قال لي بعض الإخوة لماذا اعتبرتَ رابطة أبناء المنخفضات الإرترية محاولة للعودة إلى المسار الصحيح ؟ قلتُ لهم :لأن إرتريا أصلا كيان انبثق من رحم الثنائية وأتوقع أن تكون الرابطة وعاءًا مناسباَ للنهوض بالثنائية في إرتريا الديمقراطية مستقبلاَ،أماَ حالياً خارج إرتريا ربما سيكون دور الرابطة ثمة احتجاج عن بُعد ضد سياسات النظام بجانب تأطيرالمكونات التي توافق على ميثاق الرابطة.

حسب ما جاء في خطاب عيد الاستقلال الثالث والعشرين سنرى في إرتريا استحقاقا مهماً في المستقبل وهو (إصدار الدستور) . إن حدث فعلاً فمن المتوقع أن يكون ذات الدستور المجمد منذ التسعينات من القرن الماضي أو شبيها له برتوش طفيفة وربما سيتمحور حول شعار (حادي هزبي حادي لبي ) ويتكونّ من مواد من نوع (كل اللغات الإرترية وطنية ) ومن نوع (يحظر الأحزاب على أساس إقليمي الخ) . هذه الفترة قبل صدور الدستور تمثل فرصة ثمينة لرابطة أبناء المنخفضات لجعل الدستور مشروع نضالها الاحتجاجي الأول وتعلن فيه مسبقاً رفضها أي تشريع يناقض الثوابت الوطنية ويستهدف تغيير المكونات الثقافية. وبما أنه من المتوقع أن لا يستفتى الشعب الإرتري خارج إرتريا أو في داخلها فإن الارتقاء بالاحتجاجات مطلوبة في المرحلة القادمة أما الكيفية فذلك من اختصاص المختصين بالرابطة.

رابطة أبناء المنخفضات الإرترية آلية منسجمة مع واقع الشعب الإرتري إن لم يخذلها أهلها وبالذات الحرس القديم أو الذين لم يقرءُوا تاريخ بلادهم جيدّا من الشباب الإرتريين أو إذا لم يتخاذل القائمين عليها (أصحاب المبادرة أنفسهم) جراء الهجوم الذي يتعرضون له . استباقاَ لمشروع كتابة الدستور بإمكان الرابطة أن تنشر مطالبها بالاستحقاقات الأصيلة والصحيحة التي أوجدت الكيان الإرتري أصلا وهي الثنائية تطبيقاً وليس تنظيرا فقط. وهذا الجهد ربما سيحُول دون دفع أهل المنخفضات الإرترية والمكونات الأخرى المغيّـبة فاتورة جديدة مع استهلال عهد الشرعية الدستورية المشوه بالعبث الفردي.

أيضاً هذه المنظمة (الرابطة) ستكون آلية قوية للحفاظ على الديمقراطية القادمة المؤسسة على الثنائية عندما يزول عهد الديكتاتورية والشيفونية. كل الذين يريدون أن تسود العدالة في إرتريا من خلال نظام ديمقراطي ثنائي الملامح من الأنسب لهم أن يستخدموا هذه المنظمة المدنية منذ الآن كوعاء جامع ويودعوا فيها مطالبهم مجتمعين لكيْ لا تضيع حقوقهم فرادى مرة أخرى ويضيع عليهم الزمن وقت الاستحقاق ولكي تكون كلمتهم كلمة رجل واحد وموقفهم واحد. وهذا لا يتعارض مع كونهم أعضاء في المجلس الوطني للتغيير الديمقراطي وفي أحزاب أخرى بل يجعلهم كتلة قوية معروفة الملامح وواضحة الأهداف.

لكتابة الجزء الخاص بالتاريخ في هذا المقال رجعت إلى كتاب ” لن نفترق” تأليف ألم سجد تسفاي ترجمة سعيد عبد الحي وقرأت بعض الصفحات ذات العلاقة بالموضوع مدار البحث لعلي استنبط شيئاً تاريخياً شبيها بالجدل الذي صاحب ظهور رابطة أبناء المنخفضات وعلاقة كلمة ” الرابطة ” الجديد بالفوبيا التي انتابت بعض الناس قديماً من مسمى “الرابطة الاسلامية”،فوجدتُ إن الآباء الذينأسسوا ونصرو الرابطة الإسلامية في الأربعينات من القرن الماضي تعرضوا لضغط كبير. زادت حدة التجاذب السياسي وغير السياسي المفرط ضدهم بعد إعلان أهداف وبرنامج الرابطة الإسلامية في الاجتماع الذي عقد بمدينة كرن من 20 إلى 23 يناير 1947م الذي أكدت فيه الرابطة سعيها ونضالها من أجل الاستقلال الناجز وأوضحتْ فيه أن كلمة (الإسلامية ) يقصد بها جمع صف المسلمين الإرتريين لهدف واحد وهو استقلال إرتريا كياناًكامل السيادة.

تفهـّمَ التبرير دعاة الاستقلال من الإرتريين المسيحيين والمسلمين غير المنضوين تحت الرابطة وقبلوا الاسم بل شاركت وفودهم في المؤتمر. أما دعاة الانضمام فليس فقط قاطعوا الاجتماع بل شنوا حملات عنيفة مسعورة ضد الرابطة واعتبروها حركة دينية أكثر منها وطنية وأنها أداة للإنجليز وأنها تريد أسلمتْ إرتريا وتارة قالو : تريد بيع إرتريا للعرب واستغلوا ” كلمة إسلامية ” أبشع استغلال بالرغم عن وضوح رؤية وبرنامج الرابطة.

سوء النية ودغدغة العواطف والمشاعر الدينية من قبل إثيوبيا والكنيسة وبعض الدوائر الخارجية لعبت دورا سلبياً بعيدًا عن المصلحة الوطنية الإرترية حينئذٍ وفعل الاختلاف الكامن في الدهاء السياسي وفي العمق الثقافي المعزول عن العالم الآخر فعله. فبينما دعاة الانضمام كانوا يضمرون الانضمام إلى إثيوبيا لتقوية المسيحية في إرتريا دون الإعلان عن ذلك نعتوا الرابطة جورًا وبهتاناً بأنها حولت الصراع السياسي إلى صراع ديني فقط بسبب زج كلمة ” إسلامية ” في اسمها. العنف والتهور الذي بدا حينها من الإنضماميين ما كان سيكون أخف وأعقل حتى لو أسمت الرابطة نفسها حينئذٍ الرابطة الإسلامية المسيحية للاستقلال الإرتري. وهذا ما يجب أن يـُحذر منه الآن من ينعتُ رابطة أبناء المنخفضات الإرترية بالإقليميين والتقسيمين. فحتى لو أسمو منظمتهم رابطة أبناء المنخفضات والمرتفعات الإرترية للديمقراطية والثنائية يـُخشى أن لا يصدقهم بعض الناس.

أسست الرابطة الإسلامية رد فعل أولي ضد الانضمام إلى إثيوبيا بعد أن بدا من بعض الإنضماميين المتشددين عنتهم وميولهم إلى إثيوبيا لأسباب دينية وكان المأمول من الحزبيـْنِ الرئيسيين ( الرابطه والأندنت ) أن يمثلا الثنائية الإرترية الأولى المتنافسة سلمياً للتحقق مما يرغب عليه أغلب الشعب الإرتري إلا أن عصابات الشفتا ( وتعني عصابات قطاع طرق مسلحة ) المدعومة من قبل إثيوبيا وحزب الأندنت قامت بأعمال عنف دموية لأسباب سياسية وقتلت العديد من أعضاء الرابطة الإسلامية وغيرهم في عهد الانتداب البريطاني.

( لمعرفة أسماء شهداء الرابطة الإسلامية وغيرهم في فترة الانتداب البريطاني زورو موقع الشيخ إبراهيم المختار في : http://www.mukhtar.com

بجانب الانقسام والاستقطاب الديني وانعدام الثقة الذي ساهمت فيه أطراف داخلية هناك أطراف خارجية لعبتْ أدوارً سلبية تحريضاً وتفكيكاً لصالح إثيوبيا في مراحل مختلفة من فترة تقرير المصير في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ إرتريا الحديث. مثلا (الكولونيل نقا هيلي سلاسي من إثيوبيا ) (والبريغادير فرانك استافورد من بريطانيا ) ولكن يبقى الطرف الداخلي هو الذي جلب إثيوبيا إلى إرتريا وأساءة الظن بالآخرين وبفعله ذلك أهلك الحرث والنسل وهو حزب الأندنت وأتباعه.

الآن الذين يرفضون رابطة أبناء المنخفضات ويعتبرونها وثبة إلى الخلف وهم يقرؤون بيانات وتصريحات قيادتها كأني بهم يسيئون الظن كما حدث في الأربعينات من القرن الماضي ويساعدون في إلغاء الثنائية الإرترية إلى الأبد ويسعون دون علم للتحول إلى إثنية إرترية واحدة من خلال تجميد أنفسهم عن العمل ومنع الآخرين من النهوض بالثنائية الإرترية وتشويه مساعيهم الحميدة.

( انتهى الاستنباط من الكتاب المذكور أعلاه. )

لقد صدرأول دستور إرتري معتمدًا الثنائية في التعليم والإعلام والثقافة والإدارة حسب التقسيم الإيطالي للأقاليم الإرترية. وانتخب أول برلمان إرتري بما يجسد الثنائية 32 من المسلمين و32 من المسيحيين. وحركة التحرير الإرترية مثلت ثنائية إيجابية – بتسمية ( محبر شوعتي) لأعضائها في المرتفعات الإرترية (والحركة) لأعضائها في المنخفضات.

الهدف الأسمى من قوله أقوله

الثنائية كان إتاحة حرية الاختيار لجميع أفراد الشعب الإرتري والذي كان يفضي دائماً إلى اختيارين. وهذا الاستحقاق كان حاضرا في معظم مراحل التاريخ الإرتري الحديث إلى أن ظهر تنظيم سلفي ناطنت في أوائل السبعينيات من القرن الماضي.

فقبيل اندلاع الثورة الإرترية تنازل أحد طرفيْ الكيان الإرتري ( أهل المرتفعات) من الثنائية ومن جميع استحقاقات العهد الفيدرالي بما في ذلك استخدام اللغة التجرنية في التعليم والإعلام وأظهر خنوعاَ لضم إرتريا إلى إثيوبيا وإلغاء الإتحاد الفيدرالي بتأثير من الكنيسة الأرثودوكسية الإرترية وبقايا حزب أندنتْ وبدعم من قوى دولية. بل رُفضت الثورة وجرى مقاومتها بشراسة في بعض مناطق المرتفعات الإرترية في البداية. إلا أن مسلمي المرتفعات كانوا منذ البداية على خط الاستقلال الناجز ودافعو عن استقلال إرتريا بكل بسالة ودفعوا ثمناً باهظاً منذ بدايات الثورة وهذا لا ينكره أحد. وبعد انضمام بعض أبناء المرتفعات الإرترية من المسيحيين إلى الثورة بفترة أسسوا ( تنظيم سلفي ناطنت) الذي ساهم في شق الثورة من الداخل وانغمس في الحرب الأهلية واستنهض أهل المرتفعات بصفة انتقائية للعمل تحت شعار ” نحنان علامانان” ليكون الطرف الغالب في نهاية المطاف مستغلا التناقضات الداخلية للمسلمين ومستفيدَا من أراضي المنخفضات الواسعة وقواه البشرية والمادية وأمور أخرى لا يسعها المقال .

أما الطرف الآخر من الكيان الإرتري (أهل المنخفضات ) أهمل الالتفاف حول الشق الذي يهمه من الثنائية بل اكتفي بالتنديد من وثيقة ” نحنان علامانان ” فقط واعتبرها معادية للوحدة الوطنية دون أن يفعل شيْاَ لمواجهتها تحت مفهوم الثنائية . قسم منهم أوغل في الجدلية الديالكتيكية والنظريات التي لا تمت إلى الواقع الإرتري بصلة رافعاً شعار ” يا عمال العالم أتحدو ” وظل يتغنى بالثنائية في أدبياته وقد أفرغها من محتواها وجعلها بلا لون ولا طعم ولا رائحة وسرعان ما بدأ زمام الأمور ينفلت من يد الطرف الآخر ( أهل المنخفضات) مع وجود قوة الثورة الضاربة في أراضي المنخفضات الإرترية.

شخصياً أدعوا أصحاب المبادرة (الرابطة) للابتعاد عن وضع برنامج سياسي محدد للمنظمة بل فقط إعداد ميثاق وطني واضح ومختصر تحدد فيه الهوية الوطنية والاستحقاقات الثنائية الأخرى التي أبرمت في أول دستور إرتري ( دستور 1952) ليصادق عليه كل من يؤيد الثنائية في إرتريا من الأحزاب والتنظيمات والجمعيات والأفراد وحبذا لو أودعت صورة من هذا الميثاق المصادق عليه في المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي . إن الأحرار من أبناء المرتفعات الإرترية سوف لا يرفضون الثنائية التي أقرها الآباء بوعي وتفانٍ. ومن يرفض الثنائية من أبناء المنخفضات والمرتفعات بالتأكيد لا يريد الخير والاستقرار المستدام لبلاده إرتريا.

كل ما أقوله هو إن المحاولات الماضية خلال الثلاثة والعشرين عاماً الماضية لم تسفر عن شي ولم تحرك ساكناً ولم تسترد الحقوق ألمسلوبة فاتركوا هذه المحاولة (الرابطة) وشأنها لعلها تكون الصيغة المناسبة للحالة الارترية. فإن نجحت فذلك لصالح الجميع وإن فشلت فهي ليست استثناءاَ.

وبما أنه أتضح بأن هناك مجموعات معارضة خارج إرتريا وموقفها ضبابي من الثنائية الإرترية يتوجب تأطير كل المكونات الإرترية الموجودة خارج إرتريا والتي تحترم الثنائية الإرترية للعمل سوياً. وأرى أن يكون دور الرابطة تنسيقي بين الأطراف الإرترية السياسة وبين المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي الذي ظل يناضل ويقدم تظلمات الشعب الإرتري إلى العالم بصفته ممثلا لجميع الإرتريين.

بجانب هذا الدور التنسيقي قد يأتي دور الرابطة الاجتماعي ويكفيها شرفاً أنْ تنشأ قسماً يهتم بالتعليم في مناطق اللاجئين وأن تناضل من أجل إعادة الحقوق الثقافية والتعليمية المتمثلة بإعادة التعليم باللغة العربية في كافة المنخفضات الإرترية الغربية والشرقية والشمالية كما كان سابقاً. والله المستعان.

أبوبكر الجيلاني  كاتب إرتري مهتم بقضايا التعليم الإرترية

للتواصل عبر البريد الالكتروني

Abubakar5217@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.