من مربع الفكرة إلى دائرة القدرة

كتبه/ محمد حسان

mohammed hassan

كل فكرة تقوم على فلسفة، قد تكون هذه الفلسفة بسيطة، ساذجة، تُخبر عن بساطة و سذاجة متبنييها وعاطفتهم الجياشة التي سرعان ما تتبخر عند أول مؤثر خارجي منفتح تجاههم او داخلي مُستغل ضدهم. أو تقوم على فلسفة محترفة، تحدد مسبقاً أغراضها و مواقفها و يسندها العقل والإرادة.

والفكرتان، تلك الساذجة والأخري المحترفة تحاكمان في النهاية بنتائجهما.و وفقاً لهذه القراءة نُحاكم ماضينا و سنحاكم مسقبلنا أيضاً.

في العام 1971 تم إصدار بيان ” نحنان علامانان” كمُعبر عن فكر إنساني ربما إتصف في حينه بالشمولية، رغم أنه بدأ بشكل سري تآمري ” أنبيبكا أحلف”، إلا إنني سأصفه بالشامل لأن قوات التحرير الشعببية، ذلك التنظيم الوطني الرائد كان قد تبنى ذلك البيان أو تغاضى عنه.

من الذي يُحاكم الآن؟ قوات التحريرالشعبية أم من صاغوا ذلك البيان لتظهر عنصريتهم وقبحهم فيما بعد، بعد أن حولوا حلم الأرتريين في السلام والعدالة إلى كابوس لاهوتي/ أهلي/ شوفيني/ متزمت؟

كان لا بد من ظهور وجهات نظر جديدة تحدد أطر التعامل مع الوضع القاتم والمأساوي المتمثل في قمع السكان وطردهم من مساكنهم و تضييق الخناق عليهم، هؤلاء السكان الذين لم تتاح لهم فرصة الإنتقال إلى خانة مواطنين.. هم سكان فقط، رغم كل ما دفعوه من أثمان باهظة طيلة سبعون عاماً عجافاً…. فهل يطالب السكان بالديمقراطية أم بالمواطنة؟ قطعاً المطلب الرئيس للسكان هو أن يصحبوا مواطنين، والمواطنة تُعرَف بالحقوق… إذاً وجهة النظر الجديدة بُنيت على مطلب حقوقي يفضي إلى دولة مواطنين التي هي بالضرورة دولة ديمقراطية.

اللعبة الديمقراطية تمارسها أحزاب، ولن يكون هناك حزب حقيقي إن لم نُوجِد مواطنين حقيقيين… يعرفون حقوقهم ويدافعون عنها، مواطنون أفراد، يجمعهم عقد إجتماعي مبني على أساس المسؤلية الفردية.

المعروف والثابت في الحالة الارترية أنها أشبه ما تكون بلعبة يقف فيها خصمان أمام بعضهما ومن يتقدم خطوة تجاه الآخر يخسر اللعبة.. إذاً نحن أمام حالة قطيع لا يمكن تحويله إلى أفراد إلا بتنظيمه كقطيع بحيث يخلق حالة من التوازن المساوية في القوة والمضادة في الإتجاه و أظنها كانت قراءة الأباء المؤسِّسين في الرابطة الإسلامية التي تم تكوينها “إضطراراً” بعد خمس سنوات من تأسيس حزب ” الأندنت” و ممارساته البشعة. هي نفس قراءة الأباء من الرعيل في جبهة التحرير الأرترية ما قبل المؤتمر الأول والتي أسست بادئ ذي بدء “إضطراراً” لرد المظالم والإعتداءات من قبل جماعات “الشفتا” أولاً ثم “الكمندوس” ثانياً .

بتاريخ 29 مارس 2014 عقد في لندن سمنار تداعي له بعض أبناء المنخفضات الأرترية ليدعوا إلى لم شملهم “إضطراراً” و كان الشعار البازر { فاليستمر نضال أبناء المنخفضات الأرترية }. إذن هي دعوة جديدة للتضحية من أجل الوطن ـ الحلم، من أجل الوصول إلى دولة مواطنين. و هم بالتأكيد إتأكؤا على رصيد هائل من الذكريات المريرة والذاكرات القوية. إلى هنا فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إحساس بالأسى و العاطفة الجياشة والتوق الشديد إلى الكينونة و الوجود إن لم يسنده عمل و العمل لا يغني عن الحق شيئاً إن لم تسنده فكرة والفكرة قد تنزوي و تزول إن لم تبنى على فلسفة والفلسفة تكون مجرد فلسفة رعناء، بسيطة، ساذجة وبلهاء تؤدي إلى نتائج كارثية كما حدث في الإنهيار المفاجئ لجبهة التحرير الأرترية على يد قوى اليسار، ليدخل المجتمع في حالة من الإحباط النفسي الذي ما زالت تداعياته ماثلة حتى اليوم… إنه يؤدي إلى نتائج مؤلمة إن لم تسنده أدوات.

الفرق بين الفلسفة البدائية والفلسفة المحترفة يكمن في الأدوات، هذه الأدوات ليس بمقدور الجميع إستخدامها إنما المحترفون يفعلون ذلك، مما يعني أن القائد لن يكون الأكبر سناً بل الأكثر علماً.. بل القائد لن يكون فرداً إنما جماعة من العقول التي تتمتع بالإرادة والقدرة والإيمان بسمو أهدافها و نبل مقصدها من متخصصي الإدارة والإقتصاد و السياسة والإجتماع الذين لا غنى لهم جميعاً عن خبراء الإحصاء الحديث و يقيني أن المجتمع مليئ بهذه الطاقات التي يجب أن توظف كما يجب يكون.

يجب أن يرتكز جهد الرابطة على بناء الذات وليس الإنكفاء على الذات، فلغة الحجج ضرورية لإمتصاص زخم الهجوم الكثيف كثيراً والعنيف أحياناً ضدها، أعني ذلك الهجوم الواعي لأهدافه وليس الجاهل و الغوغائي الذي يعتمد لغة السب والشتم والتخوين والتبرؤ والتوجس والتحريض. و مخاطبة الداخل باللغة المناسبة أمر مُلح لأن آلة النظام الشوفيني التي تنفرد بالساحة أكثر إحترافاً من الآخرين في لي عنق الحقائق و تأويلها. على الرابطة التأكيد دائماً على أنها منظمة مجتمع مدني قائمة على أساس حقوق الإنسان و لا تهدف الوصول إلى السلطة بأي وجه من الوجوه و أنها بصدد معالجة التراجع المريع والخلل القاتل بل والمهدد للكيان الأرتري برمته الذي يدفع به الفاعلين داخل الوطن دفعاً من خلال التهجير والتهميش والتمييز بل والإستيلاء على ممتلكات الغير وسلبهم أرواحهم وكرامتهم وهو حال لا يصلح معه إلا الهدم التام لكل ماهو قائم الآن و من ثم إعادة البناء و هو خط تبنته الرابطة منذ البداية و يجب عليها السير فيه حتى النهاية تعاوناً مع كل الآخرين من مَن لا تسكنهم روح الأنانية القومية أو الحزبية أو العرقية.

أخيراً و في نهاية هذا المقال، القصير، ألفت عناية القراء إلى هذه المنظلقات:

1/ في ظل فشل الأحزاب السياسية المعارضة فإن الرابطة صمام أمان للسلم و الأمن الأهليين لأن النظام الذي حول أرتريا إلى دولى فاشلة كفيل بتحويلها إلى قنبلة نزاع أهلي لا تحمد عواقبه والرابطه بإمكانها أن تعمل على حل المشكلات و إحقاق الحقوق بالطرق السلمية والقانونية من خلال جدولة وتصنيف كل الإنتهاكات المتعلقة بالإستيلاء على الممتلكات و الأراضي الخاصة وهو أمر أحسب أنه قد بدأت تراتيبه فعلاً.

2/ في حالة موت الدكتاتور الفاشي فأن البلد قد تتعرض إلى نزاع بين المتنفذين من قادة الحكومة الذين سيحاولون توظيف الشعب ليخوض حروبهم سواء كانت مع أهل الإقليم الجنوبي الحانقين لإقصائهم من الحكومة مؤخراً بعد أن برز الى السطح ذلك النزاع القديم المتجدد. أو مع حكومة هزيلة تشكلها قوى المعارضة تنوي محاكمتهم لما إقترفوه من آثام  ، و الرابطة تعمل على لملمة أطراف هذا المجتمع حتى لا يكون أداة كائن من كان.

3/ الرابطة تضع النواة لقيام مجتمع المدينة الذي يقوم على أساس فردي تحكمه العلاقات الرأسمالية والمصالح المتبادلة والتخلص مرة و إلى الأبد من الداء العضال الذي ظل ينخر في المجتمع ويبدد إمكاناته و موارده و أعني بذلك القبلية المقيتة ، إذ أن الرابطة تقوم على أساس التساكن و ليس على أساس العرق.

4/ الرابطة تعمل قدر إستطاعتها من تخفيف وطأة الضغط الطائفي إذ أنها تقوم على أساس السكنى بغض النظر عن الدين أو العرق أو حتى السكن الأصلي قبل الإستقلال .

5/ الرابطة تعمل قد إمكاناتها على مواجهة تقهقر المشروع الوطني فما نشاهده من تصريحات بعض النخب و الإكاديميين لا ينبئ بخير أرتريا، مثل تصريخات الدكتور برخت هبتي سلاسي واضع دستور أرتريا المجمد الذي يتمنى قبل موته ان يرى شعبه وقد عاد إلى حضن أمه إثيوبيا

5/ الرابطة من أولى أولوياتها أن تقلق بشدة من الإيماءات التي وردت في ورقة دكتور تسفاظيون مدهني بشأن حكام أرتريا و المعنونة ب “ إرتريا كوطن ام

ترجمة الأستاذ/ زين العابدين محمد علي شوكاي و الذي أعتذر له هنا على رؤوس الأشهاد عن صيغة كلام ورد على لساني بخصوص عدم الإعتماد على الترجمة العربية في إحد منشورات “الفيس بوك” فلم أشأ قط التشكيك في صدقية و مهنية أستاذي الكبير فهذه جريمة لن أرتكبها بل هو قامة أشرإبُّ إليها، إنما أردتُ أن يقرأ بعض الناس الكلام من ” خشم سيدو” كما يقال.. و هذا حتى لا يفسر كلامي في غير موضعه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.