الساحل الأرترى ملاذ العرب

بقلم: ام تبيان – باحث فى التاريخ —
ان كلمة (العرب) تعني الأرض المجدبة التي لا ماء فيها ولا نبات، وبذا تدل على الصحاري  (والقفار- وهي الأرض الخلاء المجدبة التي لا ماء فيها ولا كلأ) وقد أُطلق هذا اللفظ   منذ القدم على شبه الجزيرة العربية، كما أطلق لفظ العرب على قوم سكنوا تلك المنطقة واتخذوها وطنناً لهم.   وهذه الطبيعة الجافة والصحراوية المحيطة بهذه الأرض   صارت مانعاً طبيعياً بين العرب وبين الأمم الأخرى، وبذا عاشوا بمعزل عن العالم الخارجي.  ومع تقلص المراعى  والأراضي الخصبة ، وبسط القبائل الكبيرة  نفوذها على الأراضي الخصبة  كانت أحد الأسباب التي أفضت  إلى حروب طاحنة مستمرة  في المنطقة  ، مما أدى إلى جلاء العديد من القبائل عن مواطنها.  ومن الأسباب التي أدت إلى نزوح القبائل  أيضا ، تجبر الطغاة  وإذلال المجتمع وقمعه مثل ذو نواس  آخر ملوك الحميريين   الذي أعتنق اليهودية  وبسبب التعصب الديني  قام إلى نجران في السعودية   وأحرق فيها المسيحيين،وهو صاحب  قصة الأخدود الشهيرة التي وردت في القرآن الكريم  كما كان للسيل العرم، وهو عبارة عن عذاب من الله أهلك الحرث والنسل دور في نزوح مجتمعات كثيرة  طلباً للمرعى والأرض الخصبة،كل هذا وطرق التجارة في الشمال مغلقة  بسبب تواجد الفرس في العراق واحتلال الرومان لمصر والشام . فأسباب عدم  الاستقرار  من حروب وعوامل الطبيعة  وتعاقب الغزاة في الجنوب  من فرس وروم وغيرهم  أدى إلى النزوح المستمر من الجزيرة العربية  وكانت السواحل الإرترية هي الوجهه الوحيدة للنازحين  حيث الأمن والأمان  وخصوبة الأرض  والتعايش السلمي  بين المجتمعات  الوافدة منها والمقيمة،فالبلاد كانت تحمكها القوانين والنظام في المعاملات  بفضل وجود حكومات قوية   تبسط سلطتها على أراضيها،فالبلاد كانت تحت حكم مملكه قوية  تعتبر من أقدم وأطول الممالك حكماً في إفريقيا، والمجتمع  على الساحل الأرترى لا يختلف   عن المجتمع على الساحل الشرقي  للبحر الحمر في شبه الجزيرة العربية  فالجميع  أصولهم عربية سامية ولغتهم واحده والبحر الأحمر كان على الدوام  جسراً للتواصل بينهم  واكتساب الرزق ،فالتجارة كانت مزدهرة عبر جانبي البحر، تحكمها   أواصر القربى والمصاهرة.  وقبل تنافس القبائل  فيما بينها كان هناك  اختيار المسكن   وطيب العيش،فالقبائل الكبيرة صاحبة السطوة  والنفوذ  كان  لها موطئ قدم على جانبي البحر فمصلحة القبيلة تقتضى أن يكون قسم  منها على الجانب الآخرمن البحرخدمة للتجارة ورعاية شؤون القبيلة  .

فإذا كانت قبيلة حبش العربية هي أولى القبائل التي هاجرت إلى الساحل الإرتري قبل الميلاد وسكنت في ضواحي باضع (مصوع) قبل أن تنتقل إلى المرتفعات، كانت قبيلة بلى هي الأولى في القبائل الكبيرة التي هاجرت إلى الساحل الإرتري قبل الميلاد، واستمرت الهجرات طوال الوقت حتى ظهور الإسلام تارة لتحسين أسباب المعيشة وتارة أخرى بسبب الحروب والكوارث الطبيعية. فالقبائل الكبيرة كما أسلفنا كانت لها أراضي وممتلكات على الساحل والمنخفضات بسبب طبيعة معيشتها، فهي جبلت على رعاية الإبل والأغنام. فالأراضي المنبسطة هي التي تصلح لرعاة الإبل .  فالإبل هي الثروة التي تقاس  بها  مكانة القبيلة، لذا مع كثرة القبائل التي وفدت على الساحل الإرترى – خاصة بعد انهيار سد مأرب – بأعداد كبيره  منهكة وقد نال منها الفقر كما القبائل المنهزمة  التي خسرت الحروب  ممن لم تكن لهم الشدة والمنعه   التي تمكنهم من استغلال الأراضى المنبسطة  في المنخفضات الإرترية فكانت تدفع مرغمة  للتوغل  نحو المرتفعات الجنوبية للمملكة في حماسين وأكلوقوزاى وسرايي أولاً ومن ثم إلى مرتفعات تقراى وما عرفت  بالهضبة الإثيوبية لاحقاً، وسمي هؤلاء –  بالحبش  نسبة للقوميات  والشعوب المختلطة غير المتجانسة  وعلى هذا ( الحبشة)  إسم عربي أصيل لهولاء الخليط  من البشر الذين سكنوا المرتفعات ( يذكر الكاتب في  صدر مقاله بأن قبيلة حبش هاجرت إلى السواحل الإفريقية – وهو إشارة إلى أنها هي مصدر التسمية -حبش- ويورد هنا بأن أصل التسمية يعود إلى القوميات والشعوب المختلطة غير المتجانسة – وهو ما يعتبر تناقض واضح). ليستقروا أخيرا ً في  إقليم تقراى والمرتفعات التي تليها حيث أقاموا لهم مملكة  باسم أكسوم، إلا أن ولاءهم لم يكن للدولة التي سمحت لهم بالإقامة في أراضيها، بل كان حنينهم وولاءهم إلى الأرض التي نزحوا عنها (اليمن) لذا كان ملوك سبأ قد عينوا من يجمع لهم الضرائب  من الأحباش  وكان جامع الضرائب يسمى ب نجاش  ( نجوس)  وبعد سقوط مملكة سبأ إتخذ هذا النجاش (نجوس) مكانة له في المجتمع  حتى أصبح ملكاً على الأحباش  أي نجوس  .

أما الهجرات من الجزيرة العربية  بعد ظهور الإسلام فهي  الأوسع  والأكثر ،  في البدء هرباً بدينهم من ظلم وقهر كفار قريش  ومن ثم الدعوة إلى الله  ونشر الدين الحنيف . فالشاطئ الإرتري منذ أقدم العصور كان ملجأ للفارين بدينهم والناجين بحياتهم   فالموانئ على الساحل الإرتري – لا تخلو  من السفن الشراعية العربية التي كانت تجوب المحيط الهندي والخليج العربي وتربطه بالبحر الأحمر على طول فصول السنة،  فإرتريا تعتبر المركز الثاني  بعد مكة المكرمة  في نشر الإسلام، حيث كانت الهجرة الأولى  للصحابة إلى الساحل الأرترى وبالتحديد لمدينة باضع  (مصوع). يصف السير ولاس بدج هذه الهجرة ( في كتابه عن تأريخ إثيوبيا يقول (إنه في عام 615 ميلادي هاجر أحد عشر رجلاً وأربع نساء من مكة المكرمة  ووصلوا ميناء شعيبة بالقرب من جده  حيث استقلوا  سفينتين وأبحروا عليهما  عبر البحر الأحمر إلى الحبشة بأجر قدره  نصف دينار  للشخص الواحد وطاردهم القرشيون ولكن وصلوا إلى شعيبة بعد  أن كانت السفن قد أبحرت بهم وقد سميت هذه بالهجرة الأولى  لتميزها  عن  الهجرة الثانية التي كانت أكبر حجماً وأكثر نفراً) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أن أصمحة ملك الحبشة ملك عادل لايظلم عنده أحد فأمر  المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم من الفتن.

وكان ذلك في رجب في السنة الخامسة للنبوة، ليجدوا  الترحاب في مدينة مصوع، فأول عمل قام به أميرهم  سيدنا عثمان بن عفان  رضي الله عنه  أن أمر  ببناء  مسجد على أول أرض   وطئتها أقدامهم  على الشاطئ الأرترى  في بقعة من الأرض  تسمى  الآن برأس مدر، وتقع داخل حظيرة ميناء مصوع  في الوقت الحاضر  وكان أول مسجد بني في الإسلام، وأول مسجد رفع فيه الأذان جهرة،  ولا زال محرابه متجهاً إلى بيت المقدس  القبلة الأولى للمسلمين،  وحتى يومنا هذا يتجمع سكان مدينة  مصوع   لصلاة العيد في هذا  المسجد الذي عرف بمسجد الصحابة. إحياءا  لذكرى  المهاجرين الأوائل من الصحابة الكرام  وتقرباً إلى الله في أول بيت بني له في الإسلام .  فالهجرة كانت نبراساً أضاء في ظلمات الجهل والوثنية على السواحل الإرترية، فهي في الوقت الذي كان فيه المسلمون يكابدون الأمرين في مكة المكرمة، كان الإسلام يتغلغل بهدوء بسماحته وقيمه مهتدياً بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين).  لم يمر وقت طويل حتى عرفت السواحل الإرترية لدى المؤرخين العرب بـ (بلاد الطراز الإسلامي). . لتكتمل الوحدة  في عهد الدولة العباسية على يدي  أمير المؤمنين  المتوكل  والملك على بابا ، بموجب الاتفاقية التي وقعت بينهما في سامراء،  فكانت أموال الزكاة  والصدقات  تذهب إلى بيت مال المسلمين في بغداد . لتتمخض في النهاية إلى عدة ممالك إسلامية على رأسها  مملكة القاش والتي عرفت بمملكة الدجن على إسم القاش القديم  ( الدجن )  فقد حكمت هذه المملكة  لأكثر من خمسمائة سنة بكتاب الله  وسنة رسوله الكريم  حتى  سقوطها على يد السلطنة الزرقاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.