من مفكرتي: أيقونة الفن الإرتري الأمين عبد اللطيف-الجزء الثالث

الاستاذ ابوبكر صائغ مع الفنان الراحل الاستاذ الامين عبداللطيف

قلم وحوار: الأستاذ أبوبكر صائغ

بين عشية وضحاها اختفي من حياتنا من كان سبباً في عشقنا للغناء والحب بصوته الرخيم الحالم وبأدائه المتميز على خشبة المسرح، رحل صاحب أغنية “فاطمة زهراء” التي ألهبت حماس الجماهير الإرترية المتعطشة للحرية والاستقلال وللثورة والنضال.

رحل الأمين وترك خلفه مئات الذكريات التي تملأ عقولنا وقلوبنا، اختفي فجأة دون سابق إنذار، وهذا دأب الموت دائماً يأتي على حين غفلة ولا يفرق بين كبير أو صغير.

لم يكن الأمين مجرد مطرب ناجح ومشهور، بقدر ما كان أيقونة للفن الإرتري في كل الحقبة حتى يوم رحيله، فهو قصة نجاح وصعود من قلب المعاناة إلى قمة المجد، وتحويل الألم إلى أمل، وقد تربت أجيال وأجيال على صوته الدافئ وأغانيه الحالمة الرقيقة.

رحل اليوم عن دنيانا الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف وفقده ترك في القلب ألم وفي الحلق غصة، وتخليدا لذكراه سأنشر الحوارات المطولة التي أجريتها معه عام 2007م حتى يكون القارئ ملماً بسيرته الذاتية ورحلته في عالم الغناء لأكثر من نصف قرن من الزمان شكّل خلالها أحاسيس الناس بأروع ما تغني، فإلى الجزء الثالث من مضابط الحوار:

الفنان الراحل الاستاذ الامين عبد اللطيف في إحدى الحفلات الفنية

.
** – أتمنى أن يصل حواري معك الى أصحاب الشأن ويصل اعتذاري لهم عبر هذه الجريدة.

** – كل الأوصاف والكلمات التي قلتها فيها هي فعلا تعكس جمال تلك الفتاة.

**- حقيقة إن فرقة أسمرا الفنية حين تكونت كنا نملك إلا كرسي واحد وآلات يملكها بعض الفنانين.

**- كنا نغطى منصرفات الفرقة من اشتراكات الأعضاء و تبرعات المهتمين بالشأن الثقافي.

ماذا كنت ستقول لهم لو التقيت بهم؟

كنت سأقول لهم هذا الكلام مجرد شعر فقط ولا علاقة لي معها، ولا أساس له على أرض الواقع والأغنيات التي كتبتها كانت مجرد خيالات فقط. وبدأت أسأل نفسي هل الشعراء والفنانون الأخرون الذين كانوا يكتبون الشعر الغنائي والذين كان يرددون الأغنيات كانوا بنفس مستواي في المبالغة أم كانوا صادقين، وتساءلت أيضاً هل إدريس ود أمير بالغ في الشعر، هل عجولاي الذي يقال عنه بأنه كان مجنون، هل سبب جنونه حب مبالغ فيه أم كان يكتب شعره من خيالات معينة، وأيضاً كماجنه هل كان يبالغ في شعره، وهكذا تساؤلات.
عموماً أتمنى أن يصل حواري معك الى أصحاب الشأن ويصل اعتذاري لهم عبر هذه الجريدة، وأقول أنا كنت برئ وأمهم كانت بريئة وكل الذي كان هو مجرد خيال شعري فقط، وأمهم كانت بالنسبة لي ملهمة فقط واليوم لا أتذكر شكلها لأنني لا أعرفها أصلاً بعد أغنية (خاتم حظي زابيكو) والغناء في الحفلات التي كانت تقام في الأحياء.

متى التحقت بفرقة اسمرا الفنية؟

بعد أن نالت أغنية (خاتم حظي زابيكو) الشهرة التحقت بفرقة أسمرا الفنية وكان ذلك في عام 1962م، وقدمت للجمهور عبر المسرح أغنية (خاتم حظي زابيكو) ثم توالت الأغنيات الجديدة التي كنت أتغنى بها حتى اليوم، وأتمنى في ختام رحلتي الفنية أن أغني أغنية أتوب فيها عن كل ما غنيت من أغنيات وأنا كاذب وأنا وإن كنت صادقا في مشاعري إلاّ أنها كانت من نسج الخيال وأتمنى أن يفهمني أصحاب الشأن.

صورة نادرة للاستاذ الامين عبد اللطيف مع العملاق الفنان الكبير ادريس محمد علي

.
حدثنا عن بدايات تكوين فرقة أسمرا الفنية؟ والأحوال التي كنتم تعانون منها؟

أولاً أنا التحقت بفرقة أسمرا الفنية عام 1962م، ووجدتها مؤسسة أصلاً وكان بها عدد 22 شاب معظمهم من المعلمين والفرقة تكونت على أطلال فرقتين سابقتين وهما فرقة (ماتدي) التي تأسست عام1956م، وفرقة (ممهل) بين عامي 1958م و1959م، أما فرقة أسمرا الفنية تأسست عام 1960م، من 18 شاب أغلبهم معلمين واستأجروا منزل في شارع (أنسو ما تنسو) سابقا وحالياً شارع (سقنيتي)، وحين التقيت بهم كانوا قد سبقوني بعرضين وكان عدد من الفنانين الكبار على رأسهم أتو برهان سقيد وجابر محمود وتولدي ردا وتبري، وهلقا أسمروم وآخرون كثر.

والفرقة حين تكونت بدأت عملها بآلات قديمة، وكل واحد أحضر الآلة الموسيقية التي يملكها، وبدأت تخطو خطوات ملموسة نحو التطور وبدأنا نقدم عروضنا في سينما أوديون بدلاً عن سينما أسمرا، وشهرتها عمّت كل أرجاء الوطن وتفاعلت الجماهير مع العروض التي كنا نقدمها لما كانت تقدمه من أعمال فنية راقية كانت تشكّل ملاذاً لكل الإرتريين وخاصة بعد إلغاء النظام الفيدرالي وإعلان ضم إرتريا لإثيوبيا، وصدور الناس كانت تغلى نتيجة لتلك الأفعال والممارسات، وفرقة أسمرا الفنية في تلك الظروف كانت تشكّل جهاز إعلام يعكس مشاعر الناس العاديين من أبناء الشعب الإرتري، وعروض الفرقة كانت متنوعة ما بين الغناء والمسرح وكل عمل تقدمه الفرقة كان له مغزى معين تستوعبه الجماهير، كما تنوّعت الأغنيات لتشمل أغنيات وطنية وعاطفية وأغنيات تعالج جوانب اجتماعية معينة.

الاستاذ الامين على غلاف احدى اسطواناته “سلام بلسي”

من أين كنتم تحصلون على الدعم المادي للفرقة؟

حقيقة إن فرقة أسمرا الفنية حين تكونت ما كنا نملك إلا كرسي واحد فقط، وبدأنا في جمع الأموال والتبرعات كانت (بالسناتيم) لشراء مستلزمات للبيت الذي استأجرناه، واشترينا كراسي طويلة تستقدم اليوم في المناسبات، وإجار البيت كان حوالي 25 براً، ونحن كمعلمين كنا ندفع اشتراك شهري قدره 2 بر، وهكذا تأسست فرقة أسمرا بجهود أعضائها أولاً ثم بالتبرعات التي كنا نحصل عليها من المهتمين بالشأن الثقافي. وكما قلت لك سلفاً الآلات الموسيقية التي تكونت بها فرقة أسمرا الفنية تعود ملكيتها لأعضائها الذين أسسوا الفرقة وكان عددها 2 أكورديون و 2 جيتار هوائي وعادي، وطبلة كبيرة موديل قديم بالإضافة لكرار الفنان الكبير / أتوبرهان سقيد وساكسفون صغير تعود ملكيته للأستاذ / كحساي بيزابي، هذه هي الآلات التي بدأت بها فرقة أسمرا الفنية، وبهذه الآلات قدمت عروضها الثلاثة، وبعد ذلك انتقلت الفرقة إلى مقرها الحالي في شارع الحرية، وهذا المكان كان يستخدم كمخزن أو مستودع وكان حينها خاليا، وقررنا الاستفادة منه ليكون مقراً للفرقة، وقدمنا دعوات لإقامة حفلة شاي لجمع التبرعات للفرقة، ووجهت الدعوة لكل أصحاب المحلات التجارية والمقاهي لحضور الحفل والغرض من ذلك كان جمع التبرعات للفرقة وفي الحفل قلنا للحضور نحن محتاجين لدعمكم المادي وكما ترون نحن الآن استأجرنا هذا المحل وهو الآن خالي من كل شيء وحتى الكراسي التي تجلسون عليها الآن أحضرناها من منازلنا.

وأخيراً طلبنا منهم المساعدة المادية لنتمكن من تأسيس نادي وشراء آلات موسيقية، وهذه الخطوة كانت لفته بارعة من القائمين على إدارة الفرقة والكثيرين من الحضور تبرعوا لنا بمبالغ مادية ومعدات وكراسي وأشياء أخرى. وهذا اليوم يعتبر الانطلاقة الحقيقة للفرقة.

المبالغ التي تم جمعها كانت لا تكفي لشراء الآلات الموسيقية ولكن وبضمان أحد أصحاب المحلات التجارية استطعنا شراء المعدات الموسيقية من محل لبيع الآلات الموسيقية كان يملكه إيطالي اسمه جبرياني. وكنا نخصص مبلغ معين من عائد الحفلات لتسديد الدين. والنسبة التي كنا نستفيد منها من عائد الحفلات تقدر بـ 35 % فقط لأن نسبة 40% كانت تذهب لإيجار السينما و15% ضرائب حكومية 5و% ضرائب بلدية و5% للإعلانات وما تبقى كان يعود لصالح الفرقة والمبلغ المذكور كنا نقوم بتوفيره لتسديد الدين أولاً ثم لدفع مستلزمات النادي من إيجار وكهرباء ومياه، وجزء من المبلغ كان مخصصاً لأعضاء الفرقة كمنصرفات، وبهذه الطريقة استطعنا أن نمتلك آلات حديثة.

استمرينا على هذا الحال حتى عام 1965م، حين اكتملت الآلات الموسيقية للفرقة، وتحسن أداء الفرقة واستطعنا إجراء صيانات على النادي، والمسرح كنا نستخدمه نهاراً لتدريب الفرقة على الغناء والموسيقى والمسرح، وليلاً يستخدم كمقهى، وبهذه الطريقة استطاع النادي أن يغطي منصرفاته ومستلزماته.

وفرقة أسمرا الفنية كانت هي الفرقة الفنية الوحيدة في أسمرا في ذاك الوقت وبالتالي كانت تراعي كل شيء حتى حفلات الزواج باعتبار أن أعضائها والمسؤولين عن الفرقة وعلى رأسهم الأستاذ / ألمايو كحساي والأستاذ / أسرس تسما كانوا يراعوا حفلات الأفراح ومثلاً كانوا يقولون إذا كانت هنالك مناسبات أفراح يجب إن تشارك الفرقة في كافة المناسبات دون وضع حدود للاعتبارات المادية فمثلاً الفرقة كانت تشارك في حفلات الزواج التي يدعوهم إليها الأغنياء وأيضاً كانت تشارك في الحفلات التي يقيمها الفقراء، فالاعتبارات المادية لم تكن ضمن أولويات الفرقة، وبهذه الطريقة فإن الفرقة استطاعت أن تصل لكل الناس الأغنياء والفقراء وبالتالي نشرت الفرح في بيوت كل الناس دون أي اعتبارات مادية وهذه هي إحدى مميزات وعوامل نجاح الفرقة.

والفرقة كانت تتعاقد مع أصحاب الحفلات بالساعة، فمثلاً أي شخص يطلب الفرقة لإحياء حفلة زواج يدفع للساعة 25 براً، وأقل زمن كان 5 ساعات وتحصل الفرقة في الحفلة الواحدة مبلغ 250 براً، واليوم الأمر تغير، وبناءً على تلك التعرفة كنا نروح للأحياء الفقيرة والغنية دون استثناء ومبلغ 25 براً للساعة كان يناسب الفقراء والأغنياء. وأقول للحقيقة والتاريخ إن فرقة أسمرا الفنية كانت عادلة في إحياء حفلات الأعراس والمناسبات المختلفة.

وبعد ذلك ظهرت فرق فنية أخرى رفعت سعر الساعة إلى 100 بر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.