من مفكرتي: أيقونة الفن الإرتري الأمين عبد اللطيف – الجزء الرابع

قلم وحوار: الأستاذ أبوبكر صائغ –

بين عشية وضحاها اختفي من حياتنا من كان سبباً في عشقنا للغناء والحب بصوته الرخيم الحالم وبأدائه المتميز على خشبة المسرح، رحل صاحب أغنية “فاطمة زهراء” التي ألهبت حماس الجماهير الإرترية المتعطشة للحرية والاستقلال وللثورة والنضال.

رحل الأمين وترك خلفه مئات الذكريات التي تملأ عقولنا وقلوبنا، اختفي فجأة دون سابق إنذار، وهذا دأب الموت دائماً يأتي على حين غفلة ولا يفرق بين كبير أو صغير.

لم يكن الأمين مجرد مطرب ناجح ومشهور، بقدر ما كان أيقونة للفن الإرتري في كل الحقبة حتى يوم رحيله، فهو قصة نجاح وصعود من قلب المعاناة إلى قمة المجد، وتحويل الألم إلى أمل، وقد تربت أجيال وأجيال على صوته الدافئ وأغانيه الحالمة الرقيقة.

رحل اليوم عن دنيانا الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف وفقده ترك في القلب ألم وفي الحلق غصة، وتخليدا لذكراه سأنشر الحوارات المطولة التي أجريتها معه عام 2007م حتى يكون القارئ ملماً بسيرته الذاتية ورحلته في عالم الغناء لأكثر من نصف قرن من الزمان شكّل خلالها أحاسيس الناس بأروع ما تغني، فإلى الجزء الرابع من مضابط الحوار:

**- وضعنا مبالغ محددة تتحصل عليها الفرقة تناسب كل طبقات المجتمع لمشاركتها في المناسبات المختلفة.

** – تكونت فرقة أسمرا الفية رداً على الغزو الثقافي وللحفاظ على التراث الوطني.

**- مدير المدرسة خيّرني بين أن أكون معلما ملتزما أو فنانا ملتزما، فاخترت أن أكون فنان ملتزم.

**- محمد البنا كان يدخل في وسط الجماهير في سينما أسمرا لمشاهدتي وتشجيعي.

 

ما هي دواعي تكوين فرقة أسمرا الفنية؟ وهل فرقة أسمرا الفنية كانت قادرة فعلاً على منافسة الفرقة الفنية الكبيرة والمجهزة من كل النواحي والتي كانت تأتي من أديس أبابا؟ وما هو الهدف من تكوين تلك الفرقة؟

طبعاً تكوين تلك الفرقة لم يأت من فراغ والأسباب التي جعلت القائمين على أمر الفرقة يقومون بتكوينها كثيرة، منها الغزو الثقافي الذي كانت تتعرض له البلاد في تلك الفترة ، فمثلاً المنخفضات الإرترية كانت تتعرض لتأثير الفن السوداني والمرتفعات عامة وقعت تحت تأثير الفن الاثيوبي، ومن دواعي تكوين تلك الفرقة أيضاً إحياء التراث الغنائي الإرتري وللحد من

التأثير الثقافي الذي كان يأتي عبر الحدود السودانية وإثيوبيا، وقبل فرقة أسمرا كانت تتصدى لهذا الأمر فرقة (ماتدي) التي تعنى فرقة وطنية، ثم جاءت بعدها فرقة (مهمل) التي تعني فرقة لإظهار التراث الإرتري. ثم فرقة أسمرا الفنية، وكان الهدف من تكوينها هو إحياء التراث الإرتري، وساهمت الفرقة لحد كبير على انتشار الفن الإرتري في أوساط الشعب، وكما ذكرت لك سلفاً أن الفرقة حين تأسست ما كانت تملك الآلات الموسيقية اللازمة التي تمكنها من تأدية مهامها على الوجه المطلوب، ولكن دعم الشعب الإرتري لها وتفاعله معها هو الذي مكنها من الاستمرار والمنافسة، ومثال على ذلك في عام 1966م، قامت الفرقة بجولة شملت كل الأقاليم الاثيوبية وفي السابق جولاتها كانت تقتصر على إرتريا فقط، وتبلورت فكرة إقامة حفلات في إثيوبيا لدى القائمين على أمر الفرقة، وتم التخطيط لها جيداً، والمسؤولين عن الفرقة وقتها كانوا أقوياء جداً ولذلك أرسلوا مندوب باسم الفرقة الى إثيوبيا، وهذا المندوب بدأ جولته في إثيوبيا أولاً من مدينة “مقلي” واتصل بالسلطات وحجز مسرح لإقامة حفل الفرقة عليه، ثم مدينة “دسي” ثم “عصب”، ومن مدينة عصب تشد الفرقة الرحال الى أديس أبابا، ثم الى “دريدوا” والمدن الأخرى ثم الرجوع عن طريق “قوجاب” والمدن الأخرى ثم العودة الى أسمرا.

والمندوبين أكملوا مهامهم وأكملوا تعاقداتهم ورجعوا الى أسمرا. ثم اتصلنا بشركة “ستاي” لتوفير بص ينقل الفرقة الى اثيوبيا، والشيخ صنوبرا تقبل الفكرة وقال لنا سوف أفرغ لكم بص خاص يقضي معكم مدة شهر كامل، والبص الذي أعطانا إياه الشيخ صنوبرا كان جديداً وكنا نحن أول من ركبناه.

بدأت رحلتنا من أسمرا وتوجهنا الى مقلي وعصب ومدن أخرى حتى أديس أبابا، والمندوبين الذين أرسلناهم الى أديس أبابا بلغوا الطلاب الإرتريين بموعد قدوم الفرقة الى أديس أبابا، والإرتريين المقيمين في أديس أبابا استقبلونا قبل دخولنا أديس أبابا بحوالي خمسين كيلومترا، وكان عددهم لا يقل عن 1000 شخص استقبلونا بالورود والتصفيق والزغاريد، وعم الفرح بقدومنا كل الارتريين بأديس أبابا، ومعظمهم كانت لديهم سيارات خاصة، وبموكب مهيب دخلنا أديس أبابا ونزلنا في فندق اسمه (دهب هوتيل) كانت تملكه إمرأة إرترية. وخلال وجودنا في أديس أبابا كنا نقيم ثلاثة حفلات في اليوم الواحد. الحفلة الأولى كانت تبدأ الساعة العاشرة صباحاً وتستمر حتى الواحدة ظهراً، والثانية كانت تبدأ من الساعة الواحدة ظهراً حتى الساعة الخامسة عصراً، والثالثة كانت تبدأ من الساعة السادسة حتى منتصف الليل، ورغم ذلك تزاحم الناس في بوابات المسرح كان شيئاً ملفتا للأنظار، حتى إن الذين كانوا داخل المسرح لا يستطيعون الخروج منه من شدة الزحام وهكذا.

وما قدمته الفرقة على المسارح الاثيوبية كان شيئاً رهيباً، وفي تلك الأثناء التحق بالميدان المئات من الطلاب الإرتريين من داخل أديس أبابا وأذكر حتى اليوم حين أقابل السيد وزير الخارجية، عثمان صالح، يقول لي لولا مجيء فرقة أسمرا الفنية الى أديس أبابا لما خرجنا الى الثورة. ومجيء الفرقة الى أديس أبابا عجل بخروجنا الى الميدان.

أحب ان أضيف في هذه السانحة أن الأثيوبيين تنبهوا للدور الذي تلعبه هذه الفرقة ولذلك قرروا إيقاف عروضها، بل وقالوا أيضاً يجب أن تمر الأغنيات عبر جهاز الرقابة بأديس أبابا، والمسؤولين عن الفرقة قالوا لهم كل الاعمال التي تقدمها الفرقة أجازها جهاز الرقابة في أسمرا، ورغم ذلك أصر الأثيوبيين على أن تعرض كل اعمال الفرقة على جهاز الرقابة في أديس أبابا، ونتيجة للضغوطات التي مورست على القائمين على أمر الفرقة قبلوا بإجراء الرقابة على أعمال الفرقة، وجهاز الرقابة الإثيوبي شطب حوالي 20 عملاً من أعمال الفرقة، ورغم ذلك حققت الفرقة نجاحات مذهلة، لأننا كنا نملك عدد كبير من الأغاني، والقوات الأثيوبية كانت تقوم بحراسة الشوارع التي تؤدى الى المكان الذي تقيم فيه فرقة أسمرا الفنية عروضها، وبعد ما حققنا نجاحات كبيرة رجعنا الى أسمرا. والذي أحب أن أقوله هو إن الفرقة لم تكن ناجحة بجهودها الفنية فقط، بل إن الشعب الإرتري كله في إثيوبيا التف حولها ودعمها، لأنه كان ينتظر قدوم الفرقة بفارغ الصبر، والناس هناك كانوا ينتظرون كل يوم الجديد الذي تقدمه الفرقة، وفعلاً كنا نقدم اعمال تخاطب الناس وتعكس طموحاتهم وأحلامهم، أعمال فنية راقية تحمل همومهم وتطلعاتهم في تلك البلاد، وحتى لو قلت “حبيبتي” الناس كانوا يفسرونها كل على حسب هواه، وقد قلت في أكثر من مناسبة بأنني غنيت أغنية “فاطمة زهراء”، لفتاة إرترية معينة، ولكن الناس فسروها واعتبروا أني غنيتها للعلم الارتري وهذه هي الحقيقة، ومعظم الذين كانوا يستمعون لأغنياتنا كانوا يفسرونها بناءً على رغباتهم وعما يجيش في نفوسهم وصدروهم، وبعد أن تم تفسير أغنية “فاطمة زهراء” كنت أضطر لأغني “فاطمة زهراء” مرة وإثنين وثلاث حتى وصل العدد الى خمسة وكان ذلك بناءً واستجابة لرغبات الشعب الإرتري في الداخل وبلاد المهجر، والنقطة الثانية التي أحب أن أتحدث فيها في هذه السانحة هي في ستينيات القرن الماضي وصلت الى أسمرا فرقة إثيوبية كبيرة بها عدد كبير من الفنانين الكبار للمشاركة في حفل أقيم في بلدية أسمرا بمناسبة تتويج ملكة جمال إرتريا والحفل أقامه فريق كرة القدم التابع لشركة الاتصالات، ولإحياء ذلك الحفل طلبوا من إثيوبيا فرقة فنية كبيرة وطلبوا أيضاً فرقة أسمرا الفنية للمشاركة في تلك الحفلة، والفرقة الأثيوبية التي جاءت الى أسمرا كانت تملك أجهزة موسيقية حديثة ويقودها كبار الفنانين في اثيوبيا مثل طلاوون قسسى ومحمود أحمد وآخرون. وقبل وصول تلك الفرقة عقد الإداريون المشرفون على فرقة أسمرا الفنية إجتماعاً وقالوا نحن لا نستطيع أن ننافس هذه الفرقة ولا نستطيع رفض العرض المقدم الينا لإحياء الحفلة والانسحاب. ولكن يجب علينا أن ننافسهم بتراثنا القومي وبأغنياتنا التي نالت استحسان الناس، والفرقة كانت تعكس تراث قوميتي التقرينية والتقري ولذلك حددوا الفنانين الذين سيشاركون في الحفل واجرينا الاستعدادات اللازمة لذلك، وفي الموعد المحدد للحفل ارتدينا ملابسنا التراثية ومعنا آلاتنا الموسيقية المتواضعة، ودخلنا الى قاعة الحفل، والجهات المشرفة على الحفل حددت لهم ساعة ولنا ساعة لكي نقدم فيها عروضنا وبعد كل ساعة يحصل تبادل للفرقتين على المسرح وهكذا. وهم في البداية قدموا عروضهم لمدة ساعة ونزلوا من المسرح، ثم جاء دورنا على المسرح فقدمنا فقرات غنائية راقصة نالت استحسان الجماهير، وحين تأهبنا لمغادرة المسرح لانتهاء الزمن الذي منح لنا، بدأت الجماهير تصيح وتصرخ وتطالبنا بالاستمرار وعدم إخلاء المسرح لشيء ما في نفس يعقوب كما يقول المثل، واندهش الاثيوبيون من تفاعل الجماهير معنا، واستمرينا في عروضنا لمدة ثلاثة ساعات متتالية دون توقف ، وبعد ذلك نزلنا من المسرح، ونحن كنا خجلين جداً لأننا قدمنا عروضنا لمدة ثلاثة ساعات متواصلة وكنا نرغب في إفساح المجال للضيوف ليقدموا عروضهم ولكن الجماهير هي التي رفضت مغادرتنا للمسرح، وأخيراً غادرنا المسرح، وحين تأهبت الفرقة الأثيوبية لتقديم عروضها وبعد مضي ساعة بدأت الجماهير تصرخ وتصيح مطالبة بفرقة أسمرا الفنية، وما كان ذلك ليحدث لولا قوة الشعب الإرتري وتمسكه بتراثه وحبه لوطنه، والشعب الإرتري يستحق الحرية لأنه كان يعمل من أجلها في كافة المجالات، والشعب الإرتري كان يشجع أي فنان إرتري يظهر على الساحة الفنية، والفنان برخت الجماهير شجعته عندما التحق بفرقة هيلي سلاسى في أديس أبابا وكل الفنانين الذين كانوا معه كانوا كبار وأقوياء ومع ذلك كل الارتريين كانوا يقفون مع برخت ويشجعونه وجعلوه ينجح رغم آنف الأثيوبيين وهذه النقطة الثانية التي أردت أن أحدثك عنها، والأثيوبيين كما هو معروف لهم مدارس موسيقية عريقة وتراث غنائي متجذر، وكلية (ياريد) الموجودة في أديس أبابا ليست وليدة اليوم، وكانوا يرسلون الطلاب للخارج لدراسة الموسيقي، ومع هذا كله الشعب الإرتري كان يرغب في سماع أغنيات تنبع من تراثه وتخاطب وجدانه وكان متمسكاً بتراثه، ونجحت الفرقة بفعل تفاعل ودعم الشعب الإرتري لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.