قامة من وطني -أحمد بــلال رائد الفن التشكيلي الإرتري

سليمان بكيت

من المؤسف والمحزن إن فنّان بحجم الراحل الأستاذ أحمد بلال صاحب البصمات الواضحة بإبداعه الفني الذي نشر الجمال أن لا تحفظ سيرته للأجيال القادمة.  كان الراحل من جيل الروّاد من الفنّانين التشكيليين وله فضل كبير في نشأة الفنون التشكيلية وتطورها في إرتريا وكان مصدر إلهام لا ينضب للشباب في زمنه.

إن ما يحز في النفس هو أن لا تذكر شخصيات مبدعة مثل أحمد بلال إلا لماما وأن لا تتبوأ مكانها التاريخي الذي تستحقه بجدارة كمقابل طبيعي لثمرة اجتهادها وإبداعها الثقافي.

لم أحظى بشرف لقاء الفنان التشكيلي الراحل أحمد بلال ولم يسعفني الحظ بالتعرف عليه شخصيا ولم اسمع باسمه إلا بين حين وآخر، ولكن تعرفت عليه وعلى أعماله عبر كتابات الأخ والجار الأستاذ أبو رامي شيخ زايد مشكوراً، ولذا لم يرد ذكره ولا تقدير مكانته وما كان وما زال يمثله بالنسبة للفن التشكيلي الإرتري في المقابلة التي أجراها معي موقع “عدوليس” عن الفن التشكيلي الإرتري وقد نبع ذلك من جهلي وليس تجاهلي لهذه القامة الفنية السامقة. وهذا شيء مؤسف جدا.

.

الفنان التشكلي الراحل الاستاذ احمد بلال
الفنان التشكلي الراحل الاستاذ احمد بلال

يعتبر الفنان التشكيلي أحمد بلال من الذين أخذوا على عاتقهم خدمة الحركة التشكيلية الإرترية في زمن كانت شرائح عديدة من المجتمع تجهل أبجديات الفن التشكيلي، بل كانت تنظر إلى هذا الفن وإلى الفنّان نظرة ريبة وتوجس.

إن حياة هذا الفنان وسيرته المخضبة بالمعاناة والطموحات والإنجازات تجعل من كتابة سيرة حياته أمرا ضروريا وملحا، ليس فقط لأنه ينتمي لجيل الرواد الأوائل الذين قدموا للحركة التشكيلية الإرترية إرثا فنيا في فن “البورتريه” عبر سعيه الدؤوب في الكشف عن القيم الجمالية في تصوير العادات والتقاليد عبر الشخوص التي رسمها، بل أيضا لالتزامه الأخلاقي والإنساني ومواقفه الوطنية الإيجابية.

ولد أحمد بلال في كرن ونشأ فيها، ودرس القرآن في خلوة والده سيدنا بلال ثم التحق بالمدارس الحكومية في كرن وأكمل تعليمه الأكاديمي باللغة الإنجليزية في مدرسة “لؤول مكنن” بالعاصمة الإرترية أسمرا في بداية الستينات من القرن الماضي. وبعد تخرجه مارس مهنة التدريس وتنقل بين معظم الأقاليم الإرترية كمعلم بجانب ممارسته للرسم.

 

احمد بلال عندما كان معلما ومقاتلا في الثورة

احمد بلال كان معلما ومقاتلا في الثورة

 

مع رفاقه في الاراضي المحررة

مع رفاقه في الاراضي المحررة

.

ويقول عنه الأستاذ عبد القادر الشيخ (أبو رامي) “كان ممشوق القوام، مفتول العضلات، مهاب الجانب، حاد، وصعب المراس لا يقف أحد ليتحداه وكان مشهورا بين الناس في كرن، شخصية قوية البنية وكان لا يرضي الظلم، بل لا يصبر إن رأى شيئا لا يرضاه وسرعان ما يتدخل ويصطدم بالظالم مهما كانت العواقب”.

أقام أحمد بلال عدة معارض فنية لأعماله بالعاصمة أسمرا عندما كان مدرسا بها. ولعل ما يلفت النظر هو إنه وظف موهبته في الرسم ليعبر بها عن نضال شعبه ومقاومته للاستعمار الأثيوبي وهذا ما أدي إلى سجنه ثم نفيه إلى أثيوبيا بسبب رسمه صورة كاريكاتيرية تتهكم بالإمبراطور هيلى سلاسى.

,

وكأي مبدع إرتري هيّأته غربة الشتات لمصير بلا ملامح، ولم تنل مأساة سجنه ونفيه من كرن المدينة التي عشقها من إرادة الحياة لديه. كان يعشق فن الرسم وكان يرى فيه الحياة بما تنطوي عليه من حب ومعرفة، وهوية، وعزيمة للمقاومة، وكان الرسم خياره للوجود ووسيلته للصمود في رحلة الحياة التي كان شاهدا عليها.

 

احد لوحات الاستاذ الراحل احمد بلال

احد لوحات الاستاذ الراحل احمد بلال

:

مرعاوي.... من اعمال الفنان احمد بلال
مرعاوي…. من اعمال الفنان احمد بلال

.

ود عد.... من اعمال الفنان احمد بلال
ود عد…. من اعمال الفنان احمد بلال

.

من تصميمات احمد بلال
من تصميمات احمد بلال

.

.

يعتبر أحمد بلال “نجم الستينيات” بحق، استمد نجوميته من دوره في إثراء الفن التشكيلي في كرن وأسمرا، بل وإرتريا عموما عبر رؤيته الخاصة وأعماله الفنية التي عبر فيها بصدق عن ملامح أصيلة من المجتمع الذي عاش فيه. ولعل ما ميزه كفنان أصيل هو تعلقه بفن نبع من النسيج الاجتماعي المحلي في البيئة الكرنية المنخفضاتية التي ينتمي لها.

إنجازات الفنان الراحل المقيم كواحد من أعمدة الفن والإبداع في إرتريا حاضرة من خلال أعماله التي تزيِّن البيوت في كرن بصفة خاصة، هذه المدينة التي عشقها وعاش فيها مبدعا، حمل خلالها هموم الناس والقضية الإرترية في فترات كانت الساحة الثقافية تحتاج لمثل إبداعاته وخبراته الفنية والثقافية.

وبلا أدنى شك حاز أحمد بلال مكانته المرموقة كرائد من رواد الفن التشكيلي الإرتري وأثبت إنه قامة من القامات الفنية المهمة وذلك بإخلاصه وتفانيه في عمله وما تركه لنا من إرث فني تفتخر به الأجيال الإرترية.

أتمنى من كل الحادبين على الإرث الثقافي لهذا المجتمع أن يبذلوا قصارى جهودهم في مجال جمع وتوثيق كل ما يمكنهم الوصول إليه من النتاج الثقافي في جميع المجالات من أجل الحفاظ عليه للأجيال القادمة موروثا تتكئ عليه ونبراسا ينير لها الطريق إلى المستقبل.


بعض الصور من النشاطات الثقافية التي كان يقوم بها  الراحل الاستاذ احمد بلال

.

هامش:

– مــن الــذاكرة الــكرناوية
أحمد بــلال رائد الفن التشكيلي
صفحة الأستاذ أبو رامي شيخ زايد
– الصور من البوم نوال احمد بلال

.

نقلا عن مجلة الناقوس الثقافية

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.