حقات .. مدينة تحت نيران البطش والتهجير

رمضان ياسين

عبقرية المكان عند التقاء السهل بالجبل والنهر تقع مدينة (حقات) في الضفة الشمالية لنهر (بقو) الموسمي والذي ينحدر من الشرق إلى الغرب ليكون أحد روافد نهر (بركة).

الناظر للمدينة من نقطة أعلى يرى سهل ممتد يحيط به مِن الشرق جبل (شالكو) ومن الجنوب والشمال كل من جبل (حليباي) وجبل (معر) ومن الغرب الأفق الممتد حيث (دعروتاي) غابة من شجر الأراك وشجر السدر وصولا إلى قريتي       (عد الأمين) و (عد همد).

نشأت المدينة مع إقامة أول محطة للقطار بها في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي حيث كانت محطة (حقات) مركزا رئيساً يتوسط محطتين صغيرتين في كل من  (استسيون حمد) و (دعروتاي)، وبالمركز مبنى كبير للفنيين والإداريين، وقد أنشئ حول المحطة حيّ كامل للعاملين بها.

كانت المحطة في أوجها تعج بالقاطرات والعربات حيث قضبان الحديد العديدة وعربات تحمل الفحم الحجري وخزانات المياه تتوسط أشجار الدوم “عركوكباي” الباسقة. كل هذه المقومات الطبيعية والاقتصادية جعلت من المدينة قبلة للباحثين عن عمل من كل الضواحي، وقد تجذرت أهمية المدينة عند وصول الطريق البري إليها.

ككل المدن الإرترية، مرت مدينة (حقات) بفترات عصيبة إبّان الاستعمار الإثيوبي، ولعل أهم هذه الأحداث هي معركة (حقات) في العام ١٩٦٨م ومذبحة (عد نصور) في العام ١٩٦٧م التي ارتكبتها قوات الكوماندوس وقتل فيها ١٦ شاباً رمياً بالرصاص بدم بارد بشبهة الانتماء للجبهة.

أما عند وصول السلطة الجديدة في إرتريا بعد التحرير – وحسب ما ورد في كتاب (أضواء) للمناضل عبد الله إدريس محمد “داست على رقاب الناس في بلادنا بعد ثلاثين عاماً من القتال والبسالة التي كان أقل ما يوازيها وفاءً لشعبنا الإرتري الديمقراطية والحريات الأساسية وتوفير أسباب وعوامل التعايش السلمي بين مكونات شعبنا الذي كافح بنوه معاً”.

وقد نالت مدينة (حقات) من بطش نظام الهيمنة القومية الدكتاتوري ما نالت، تشريدا للمواطنين وسلبا للأراضي بحجة أنها فوق حاجتهم تارة، وتارة أخرى كما حدث في التسعينيات بتوزيع أراضي للمواطنين في منطقة قاحلة في الجهة المقابلة للمنطقة المأهولة وطلبوا منهم الانتقال إليها وذلك دون تعويض أو تسهيلات في الموقع الجديد، وأصبح لزاما على كل مواطن أن يبدأ من الصفر بعمل خريطة البناء بتكلفة لا تقل عن 1،000 نقفة وبالطبع أغلب المواطنين لا قبل لهم بتوفيرها وما بعدها من متطلبات وخاصة إن مواد البناء غير متوفرة حتى لمن يتحمل تكلفتها، وفي مرحلة لاحقة تم منع البناء.

إن أصعب اللحظات لأهل المدينة كانت عند ما تم تشريد المئات من الأسر بدك منازلهم بالجرارات في نوفمبر من العام 2019م، حيث أقدمت السلطات على تطبيق قرارها الجائر بإجبار الأهالي بترك أرض ترعرعوا فيها وتوارثوها كابرا عن كابر، وخاصة إن الجزء الأصلي من المدينة والذي يقع بمحاذاة النهر من أخصب المناطق بخضرته الخلابة حيث أشجار النيم والدوم والنخيل والسدر ويزرع به العنب والباباي ويوجد به السوق القديم والمسجد والمعهد الديني.

أدى هذا الوضع الى الكثير من المآسي، حيث إن من ليس لديهم الإمكانيات للبناء أصبحوا بلا مأوى. والأدهى والأمر، أطلق النظام سماسرته لإقناع المواطنين ببيع القطع الموزعة لهم على أن يقوم المشتري بالبناء. بهذا تم بيع معظم القطع الخاصة بالفقراء وبذلك فقدوا منازلهم المتوارثة من الأجداد وفقدوا قطع الأراضي التي وزعت عليهم لعدم تمكنهم من بنائها.

وحتى الذين تمكنوا من الانتقال حسب الشروط التي فرضت عليهم، واجهتهم معضلة أخرى تمثلت في أن الأسر التي كانت تعيش في منازلها القديمة كانت تسع الآباء ومعهم الأبناء بأسرهم، بينما البديل الجديد قطعة واحدة فقط للأب بحجة إن القطعة الأصلية كانت مسجلة باسمه، أما الأبناء فطلب منهم انتظار نصيبهم في التخطيط القادم، ولهذا فإن معظم الأسر في الموقع الجديد تعيش في “رواكيب”.

وهذا يمثل إمعانا من نظام الهيمنة القومية في تطبيق مشروعه الاستيطاني في منطقة المنخفضات الإرترية مثلما حدث في كل من تسني، كركبت، مقارح في نفس العام والأعوام التي سبقته. وهذا ما يتعارض مع كل القوانين الدولية من حق حفظ الملكية وحق الناس في التمتع بالحياة في مناطقهم التي توارثوها أبا عن جد في الأرض التي حموها ودفعوا الغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها وعلى حياتهم وهوياتهم الخاصة.

ولعل قساوة هذا الحدث، تذكرنا بحادثة اقشعرت من هولها المدينة وهي اغتيال الشاب العشريني (علي بخيت) في العام 2002م حين أطلق عليه الرصاص وهو في سيارته في وضح النهار، بحجة انه لم يؤد الخدمة الوطنية، وفاضت روحه بين ذويه وأقرانه، ما يعتبر تعديا وانتهاكا سافرا لحقوق الإنسان.

يقول جورج أورويل صاحب (مزرعة الحيوان) “إن السلطة هي إلحاق الألم والذل بالنفس البشرية”. إن سيادة القانون على الحاكم والمحكومين هي الضامن الأساسي لحقوق الأفراد والحد من استبداد السلطة والسبيل إلى تقدم الشعوب.

إن التعبير بالكلمات عن روح الأمكنة وروح البشر الذين عاشوا فيها مهما بلغ صدقها فإنها لا تكفي للتعبير عن نبض الحياة، العيش فيها بسلام.

 

نقلا عن مجلة الناقوس الثقافية العدد السادس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.