قراءة في قصيدة (ناسك) للشاعر الماجد عبدالرحمن سكاب

يبات علي فايد *

القصيدة من بحر الخفيف التام، فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
وهي صنو قصيدة الشاعر إدريس جماع التي يقول فيها:

ماله في مواكب الليل يمشي

ويناجي أشباحه والظلالا
هينٌ تستخفه بسمة الطفـ

ل قويٌّ يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال

مستشفٍّ من كل شيءٍ جمالا
ماجنٌ حطم القيود وصُوفيْ

يٌ قضى العمر نشوةً وابتهالا
خُلقت طينة الأسى وغشتها

نارُ وجدٍ فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاءُ كونى فكانت

طينةُ البؤس شاعراً مثّالا
يتغنى مع الرياح اذا غنْـ

نَت فيُشجي خميله والتلالا
صاغ من كل ربوةٍ منبراً يسـ

كب فى سمعه الشجون الطِوالا
هو طفلٌ شاد الرمال قصوراً

هي آماله ودك الرمالا
هو كالعود ينفح العطر للنا

س ويفنى تحرُّقاً واشتعالانعم، تشابها في الشجى والأسى، في الرقة والتعاسة، في الحس الرفيع والبوح البديع، في السمو والسموق، فجاءت كل أغنية من هاتين الأغنيتين توأم روح، وبلسما يداوي الجروح، وإنما شاعرها هو الملتاع المقروح.

النص:

 

آه للساهر الشجيِّ مضى الليـ

ل ومازال دمعه سحَّاحا
ساكباً من يراعه قهوة الوجـ

د وقد ذاق مزجها والقراحا
داعبَتْه أنامل الليل قيثا

راً خفياً يراوغ الأشباحا
قد تحسَّيت لحنك العاطر الإيـ

قاع شوقاً مرنَّحاً فواحا
أنت في السرب طائر صافح الأفـ

ق وقد صاغ من دجاه الجناحا
وأراق الشجون في مسمع الليـ

ل سهاداً مضى يحثُّ الصباحا
وشع القفر بالأهازيج فاختا

ل ربيعاً مفوّفاً منداحا
والليالي حواشد ملء جفنيـ

ـه دموعاً وغصة وجراحا
أترعتْ كأسه سلافةُ أحدا

ـث الليالي وصرفهن فناحا
أثخَنَتْه النصال من جارحات الدْ

دَهر حتى تخرَّمتْه اجتياحا
ولحاه السرى بكل ضرامٍ

من حريق الجوى فذاب التياحا
وتعالت أناته فاعترى الأفـ

ق شحوبٌ أراقه أتراحا
ملء أحشائه التياعات سربٍ

ودَّع الأهل غربةً وانتزاحا
وبعينيه دمع كل شجِيِّ

رق للعهد من هواه فباحا
راعه قيد إلفه والروابيْ

يُ حوله أسهبٌ ترامت فِساحا
ياله ناسكاً تهجَّد في محـ

راب بلواه شاكياً.. ملحاحا
دأبه يغزل المواجد رايا

تٍ على الأفق خافقاتٍ سِماحا
إذ يصوغ الدجى وداعة عشٍّ

هدهد الجرح بلسماً وسَماحا
حسب آياته طيوباً تناثر

ن على دربه شذا.. نفَّاحا
إذ يجوب الخميل أنداء راح

ريقها بات للعفاة متاحا

واعتلى من جناحه زورقاً جدْ

دَف في الأفق غائصاً سبّاحا

هذه القصيدة ملأى بالأسى والشجون، والنحيب واحمرار العيون، إنها قصة الأشواق التي ما ابتلت، وحكاية الغريب الذي ما خمدت نار شوقه لأحبائه وأترابه. إنها قصة الحنين إلى الأوطان، حين تهز مضجع المحب، فتعتمل في نفسه الخواطر وتسوق إليه فيض المشاعر، إنها قصة الإنسان والمكان، الارتباط بالأم الأرض.

حاولت أن أحصر مفردات الشجن التي احتوتها القصيدة فرأيت أن أحصي ما هو غيرها، لأنها كتلة مما أردت إحصائه، إنها قصيدة محتشدة بالسواد والسهاد، بالغصص والجراح ، بالجوى والنواح، بالأنين والأتراح ، بالحريق والالتياع، بالشحوب والارتياع، بالنزوح والبلوى، بالتبتل والشكوى، بالسهر بالدموع والشوق المقيم بين الضلوع.

إن القارئ ليعجب كيف امتثلت لهذا الشاعر اللغة بمثل هذا التكثيف في غير تعب ورهق، في غير سعي وراء قافية أو مفردة، إنه بناء عظيم عظيم، لا تجد فيه ما يستحق الحذف بالرغم من تكرار المفردات بمعانٍ مختلفة، بالرغم من الدوران حول موضوع الشوق الحارق إلى الوطن، إنها الواقعية الرومانسية في قمة تجلياتها.

آه للساهر الشجيِّ مضى الليـ

ل ومازال دمعه سحَّاحا
إنه تأوه الحزين المهموم وقد مضى عليه الليل كله، وما زال دمعه يسح سحا، يحتسي خمرة وجده وعذاباته، ممزوجة بماء مَّرةً، وصرفةً أخرى، ها هي أنامل الليل تقلبه في نيران الأشواق ذات اليمين وذات الشمال الليل طوله.

أنت في السرب طائر صافح الأفـ

ق وقد صاغ من دجاه الجناحا
وأراق الشجون في مسمع الليـ

ل سهاداً مضى يحثُّ الصباحا

ها هو يخاطب نفسه في صورة الآخر، في أسلوب فيه من التهكم بالنفس الكثير الكثير، فهو طائر، ولكلمة طائر معناها الذي يحمل معنى الهجرة والتنقل بحسب المواسم، وكان موسمه هو موسم الابتعاد عن الأرض، والأحباب والأصحاب، ثم إنه طائرٌ اتخذ من دجى الأفق جناحه، وراح ينوح في أذن الليل سهادا، يستحث بزوغ الفجر، وطلوع الصباح، ويقيني أنه عنى العودة وما أهمل في مراده الحرية والاستقلال.

أترعتْ كأسه سلافةُ أحدا

ث الليالي وصرفهن فناحا
أثخَنَتْه النصال من جارحات

الدهر حتى تخرَّمتْه اجتياحا
ولحاه السرى بكل ضرامٍ

من حريق الجوى فذاب التياحا
وتعالت أناته فاعترى الأفـ

ق شحوبٌ أراقه أتراحا
ملء أحشائه التياعات سربٍ

ودع الأهل غربةً وانتزاحا
وبعينيه دمع كل شجي

رق للعهد من هواه فباحا
راعه قيد إلفه والروابيْ

يُ حوله أسهبٌ ترامت فِساحا

ها هي كأسه تمتلئ بأحداث الليالي وصروفها، فتهديه النواح، ها هي نصال جارحات الدهر تثخنه وتتخرمه وتخترقه مجتاحة جسده النحيل، ها هو حريق شدة شوقه والتياعه يذيبه ويفنيه، ها هي أناته تتعالى فيشاركه الأفق معاناته فيشحب الكون، ويريق أناته أتراحا.

نعم إنها الغربة التي أبكته وأنهكته، ولوعته، إنه وداع الأهل وقصد الغربة، لعمري لقد صدق المثقب العبدي حين قال:

ولا أدري إذا يممت أرضاً

أريد الخير أيهما يليني
أ الخير الذي أنا أبتغيه

أم الشر الذي هو يبتغيني

نعم بعيني شاعرنا دمع كل شجي، وها هو قلبه يرق لعهد الصبا فيبوح بمكنون قلبه شعرا.

أجل راعه بعد صاحبته وأخذ شوقه إليها بمجامع قلبه، وآلمه فراق مرتفعات أرضه، ومنخفضاتها،

ياله ناسكاً تهجَّد في محـ

راب بلواه شاكياً.. ملحاحا
دأبه يغزل المواجد رايا

تٍ على الأفق خافقاتٍ سِماحا

أجل،

يا له من ناسك، تهجد في مح

راب بلواه شاكيا ملحـاحـا
دأبه يغزل المواجد رايا تٍ

على الأفق خافقات سماحا

رحم الله سكاب، فكم حكى آلام المبعدين، وواسى بحنينه المهاجرين والمنفيين.

 

*شاعر وناقد وله دواوين ومؤلفات نقدية عديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.