لماذا دائما مجتمعنا في حالة انشقاق

نقلا عن مجلة الناقوس العدد الاول

أغسطس 2, 2017
بقلم / ابو رامي

المتابع لحركة مجتمعنا السياسية في العصر الحديث منذ الأربعينيات يجد أن هذا المجتمع صاحب مبادرات رائدة ومتجددة في مقاومة الاستعمار والدعوة إلى الاستقلال والحرية.

ولكن دوما تواجه هذه الحركات والمبادرات الوطنية داء الانشقاقات والانقسامات وهذه الخاصية تميز مجتمعاتنا بالذات دون مجتمع كبسا.

وإذا أردنا عمل مقارنات بسيطة باعتماد قراءات سريعة لتاريخنا المعاصر نجد أننا قد ابتلينا بهذا الداء اللعين منذ بواكير العمل الوطني في ستينيات القرن الماضي.

انشقاقات مستمرة وتنظيمات سياسية تقوم على أنقاض أخرى قبل أن يجف مداد بيان تأسيسها ولأسباب واهية وحجج ضعيفة لا تقنع أحدا. ومقارنة بمجتمع كبسا الذي إذا أخذنا في الاعتبار أيضا أن بين أطرافه خلافات في المصالح وبالأخص بين مكون الحماسين وأكلي قوزاي، إلا أن مستوى الانشقاقات السياسية بينهم بسيط وفي إطار محدود للغاية.

مثلا تجربة (المنكع) في الجبهة الشعبية تم حسمها بسرعة والقضاء عليها نهائيا ورغم فداحتها وغلظة الفعل إلا أن الرضوخ والطاعة كان ديدن من تبقى من مناصريها.

في تجربة الجبهة الشعبية منذ السبعينيات وحتى الاستقلال في التسعينيات لم نر انقساما أو حزبا انشق منها ليكون مكملا لها في مشوار الاستقلال. وهنا يأتي السؤال المهم، لماذا؟ في تجربة جبهة تحرير إريتريا نجد أن أي خلاف مهما كان، تخلفه انشقاقات، وهذه حصيلة تاريخية وناتج معروف لكل من عايش تلك الفترة أو قرأ عنها دون الدخول في مزايدات من تسبب في ذلك وما هي الدوافع، فهذا موضوع آخر متروك للمختصين في هذا الشأن.

أردت أن أقوم بمقارنة سريعة بين مجتمعنا ومجتمع كبسا في التنظيمات السياسية القديمة حتى أصل لواقع اليوم حيث نجد أن تنظيمات مجتمعاتنا تفوق عددا حتى مكوناتنا الاجتماعية وهذا يدل على أن المرض القديم مازال موجودا وأن التشخيص القديم لم يتم اكتشاف العلاج الناجع له حتى الآن.

إذن، فإن المشكلة في مجتمعنا ليست في الفكرة السياسية سواء كانت إسلامية، أو يسارية، أو بعثية، أو عربية قومية، أو عسكرية تحررية، إنما المشكلة في سلوك أفراد هذا المجتمع النفسي والاجتماعي. فطبيعة مجتمعاتنا الرعوية في الفضاء الواسع والأرض الفسيحة الممتدة تجعل انصياعه للنظم والقوانين محدودا، وأيضا فهمه للحوار والخلاف قليل فهو قد تعود إذا ضاق عليه العيش في منطقة ما، أن يترك المكان ويذهب لمكان آخر يجد فيه راحته وسكونه. كان هذا في الزمن القديم، فماذا يحصل الآن من أجيال قد تكون عاشت في مجمعات أقرب إلى المدن؟ في رأيي، أن هؤلاء أخذوا طبيعة تلك المجتمعات فتوارثوا نفس السلوك والمفاهيم الاجتماعية وانعكس ذلك على ممارساتهم السياسية.

والمتابع للحراك المجتمعي يلاحظ ذلك بكل سهولة، فرغم كل القيم النبيلة التي يحملها هذا المجتمع، إلا أن خاصية الانشقاقات تظل نقطة سوداء في تسلسله التاريخي.

والشيء الآخر، أن الذي يختلف مع الآخر لا يحترم قواعد وأدب الخلاف، بل يقوم بهدم كل ما بناه في السابق دون أن يراعي مقومات العمل القديم من مشاركات عمل وقيم ونظم. وتجد أنهم في مجتمع كبسا حتى إذا اختلفوا فإنهم لا يفشون أسرار بعضهم ولا يذيعون ما اتفقوا عليه من قواسم العمل والتنظيم. وقد لاحظنا ذلك في المنشقين من الشعبية بعد الاستقلال حيث إنهم جميعا اتفقوا في المحافظة على مكتسباتهم السياسية ويحاولون التغيير فقط من أجل الحكم (مدرخ مثلا) وليس من أجل رد المظالم أو إحقاق الحق أو بسط الحريات وغيرها من الحقوق.

أما في مجتمعنا إذا اختلف معك أحدهم، ملأ الدنيا ضجيجا وذكر كل الذي نظمه من عمل، ونشر كل المساوئ، وتغاضى عن كل المحاسن. لا يراعي ذمة أو أخوة، ينشر الأخبار ويفشي الأسرار.

إن المشكلة الأساسية في ظاهرة الانشقاقات تكمن بالدرجة الأولى في ضمور الوعي. وحتى في امتداداتنا الاجتماعية في السودان، نجد أن امتداد المشكلة وصل إليها فبعد اتفاقية الشرق ودخول جبهة الشرق إلى القصر الجمهوري، نجد أن الانشقاق قد طال الفصائل التي تنتمي لمجتمعاتنا في حين حافظت المكونات الأخرى على فصائلها دون انشقاقات.

لذلك يجب أن نعمل في الرابطة على تفادي هذه المشكلة المتكررة بتعزيز لم الشمل ونبذ الانشقاق، ونجتهد في رفع الوعي بضرورة الوحدة في مواجهة النظام المستبد والعمل ببرنامج الحد الأدنى في قبول الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.