الخطر على ابواب منازلنا

إلى وقِت قريب كانت هناك كثير من السلوكيات السيئة التي كنا نسمع عنها وتقشعر منها أجسامنا، وكنا نظن أن مجتمعاتنا بقيمها الجميلة لن تتسرب إليها مثل هذه الظواهر، وإن أبناءنا في مأمن منها، والقلعة التي كنا نلوذ بها في مواجهة ذلك كانت السلوك الإيجابي الجمعي للمجتمع الذي يحارب بالفطرة أي ظواهر سيئة تتعارض مع قيمه وإرثه وكلنا نتذكر كيف كان يهرب المدخنون ومتعاطي (التنباك) إلى أطراف الحي ويتوارون عن أعين الناس لتدخين (سيجارة) أو تعاطي (التنباك) أو شرب كأس من الخمر خوفًا من معرفة أسرهم وذويهم بذلك، وقد كانت هذه الممارسات حينها منبوذة لأن دور الأسرة كان فاعلا ومسنودا من مجتمع يحمل قيمًا مشتركة ولكن مع التغييرات التي حدثت لمجتمعاتنا نتيجة لمحاربتها من قبل قوى الهيمنة القومية ومحاولاتها الحثيثة لضرب قيمها النبيلة في مقتل بالإضافة إلى الدفع بها إلى مجاهل اللجوء والشتات، أفقدها جزءً كبيرا من دورها نتيجة للمؤثرات السالبة الكثيرة المحيطة بها، وفي غياب الوعي بدأت تتسلل بعض الظواهر السلبية التي هي أخطر مما سبق ذكره دون أن ينتبه لها أحد وهي ظاهرة تعاطي المخدرات والترويج لها.

ومن المعلوم أن المخدرات مشكلة عالمية وتعاني منها جميع الدول وتنشط فيها عصابات تضر بالأمن والمجتمعات، وفي الفترة الأخيرة انتشرت هذه الظاهرة وسط الشباب وبدأ الحديث عنها يخرج من دائرة الهمس إلى العلن، ومن خلال الاستماع لمشاهدات البعض وأيضًا من خلال ملاحظتي الشخصية أستطيع القول أن مجتمعاتنا دخلت مرحلة الخطر وأنها أصبحت هدفًا للمروجين سواءً كان ذلك لأغراض تجارية بحتة أو لأهداف تخص تدمير المجتمع بغية تحجيمه وتقليص دوره، وذلك باستهداف باكورة الأمة وشبابها الذين هم حماتها وقت الحرب وبُناتها وقت السلام، وأن استهدافهم بهذه الطريقة يعني اضعاف قدرة المجتمع على الفعل وإشغاله بنفسه، فما تفشت المخدرات في مكان إلا وجرَّت معها الكثير من المشكلات والجرائم التي لا تنتهي مما يُقعد المجتمع عن أي نمو وتطور.

إن محاربة المخدرات والتصدي لها هي مسؤولية الدولة في المقام الأول، وأن المجتمع شريك أساسي في محاربتها وأن دوره في ذلك كبير متى ما أدركه، ويأتي الدور التوعوي في مقدمة ما يمكن فعله لمحاربة هذه الظاهرة ومحاصرتها، وأن التوعية يجب أن تشمل الآباء والأمهات وتعريفهم بهذا الخطر وتوعيتهم بأشكاله وتدريبهم على كيفية ملاحظة التغييرات التي تحدث لأبنائهم حتى يتمكنوا من حمايتهم في الوقت المناسب. ويقع العبء التوعوي بشكل أكبر على منظمات المجتمع المدني لامتلاكها نوع من التنظيم وقدرتها على طرح المبادرات، ولهذا ينبغي عليها أن تقوم بحملات توعوية للفئات المستهدفة، وتخلق برامج ثقافية ورياضية، وتقدم دورات تدريبية تفيد الشباب وتسهم في ملء أوقات فراغهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعاتهم، فالفراغ والملل يدفع البعض إلى تجريب أي شيء يقضون فيه أو قاتهم ويفرغون فيه طاقاتهم.

هذه الظاهرة الخطيرة لابد من أخذها على محمل الجد ودق ناقوس الخطر لتدارك الأمور فإن ضررها ذو أبعاد مدمرة وكما أسلفت لا يمتلك المجتمع وحده أدوات محاربتها حيث أنها تحتاج لمنظومات قانونية وشرطية ومجتمعية تتكامل للتعامل معها بفعل مضاد يوازي قوة وسرعة انتشارها للقضاء عليها وحفظ المجتمع من شرورها وخاصة لأنها تصيبه في عصب حياته، فئة الشباب، فيزداد الفاقد التربوي وتتقلص فرص العمل المجدي ويرتفع مستوى البطالة وتبعا لذلك تتأثر القدرات الاقتصادية للأسرة ومن ثم المجتمع وينعكس ذلك أيضا على الوعي بالحقوق المجتمعية لأن من يقع في براثن الإدمان على المخدرات ينكفئ على ذاته ورغباته الشخصية وتسقط تلقائيا قضايا المجتمع من أولويات اهتماماته، ولذلك لابد من البدء الآن وليس غدا في دراسة هذه الأزمة المجتمعية ومحاولة إيجاد الحلول لها بتضافر جهود كل من تعنيهم سلامة هذا المجتمع واستقراره وضمان مستقبل مشرف لجيل الشباب الحالي والأجيال القادمة.

أبو أمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.