أعلنت الحكومة الإثيوبية أن قواتها لن تتقدم داخل تيغراي (ميناسي وينديمو هايلو/فرانس برس)

هدنة غير معلنة في تيغراي… وعقبات تصعّب إطلاق مسار المفاوضات في إثيوبيا

25 ديسمبر 2021
أعلنت الحكومة الإثيوبية أن قواتها لن تتقدم داخل تيغراي (ميناسي وينديمو هايلو/فرانس برس)
+الخط

بعد تراجع قوات “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” إلى داخل الإقليم، وإعلان الحكومة الإثيوبية توقف قواتها عند حدود الإقليم، وذلك بعد 13 شهراً من الحرب الطاحنة، التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين والمقاتلين ووقوع فظائع وانتهاكات، يبدو أن الأوضاع في تيغراي ومحيطها تتجه إلى ما يشبه استراحة المحارب أو ربط للنزاع، من دون أن يكون احتمال دخول الطرفين في مفاوضات جديّة قريباً، خصوصاً أن هناك عوامل كثيرة قد تصعّب هذا المسار إلا إذا زاد الضغط الإقليمي والدولي عليهما للقيام بهذا الأمر.

وكان الجيش الإثيوبي وحلفاؤه قد حققوا تقدماً كبيراً في الأسابيع الأخيرة، حيث استعادوا السيطرة على بلدات ومدن رئيسية في إقليمي أمهرة وعفر المجاورين اللذين سيطر عليهما مقاتلو “جبهة تيغراي” في وقت سابق من العام الحالي.

وجاء هذا التحول الميداني جرّاء التفوق الجوي الذي أظهرته القوات الإثيوبية باستخدام الطائرات بدون طيار، التي تزودت بها من تركيا والصين خصوصاً.

تخوّف عبد الصمد من تحرك عسكري للجبهة لتقليل الضغوط عليها

وكان من نتائج الحرب في إثيوبيا، لجوء 60 ألف إثيوبي إلى السودان وتدخل قوات من إريتريا المجاورة. وبسبب الحرب لقي عشرات آلاف المدنيين والمسلحين حتفهم، فيما يواجه نحو 400 ألف مجاعة في تيغراي، ويحتاج نحو 9.4 ملايين شخص في أنحاء شمال إثيوبيا إلى مساعدات غذائية.

وفي الأسبوع الماضي وافقت الأمم المتحدة على إجراء تحقيق مستقل في انتهاكات حقوق الإنسان في إثيوبيا، وهي خطوة تعارضها أديس أبابا بشدة.

لا تقدم للقوات الحكومية في عمق إقليم تيغراي

وأعلنت الحكومة الإثيوبية، أمس الأول، أن قواتها لن تتقدم في عمق إقليم تيغراي. وقال رئيس دائرة الاتصالات الحكومية، ليجيسي تولو، إن القوات الإثيوبية صدرت أوامر لها بالحفاظ على المناطق التي استعادتها من “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، ولكن ليس للتوغل في الإقليم.

وقال تولو: “انتهت عملية المرحلة الأولى لطرد الجماعة الإرهابية من المناطق التي احتلتها، بالنصر. في هذه اللحظة دُمرت بشدة رغبة العدو وقدرته على الدخول في حرب”.

وأضاف: “تعتزم الحكومة اتخاذ مزيد من الخطوات للتأكد من أن رغبة قوات تيغراي لن تظهر مرة أخرى في المستقبل. في الوقت الحالي، تأمر القوات الإثيوبية بالحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها”. وأضاف أن العملية الأحدث من جانب الحكومة قد انتهت، ولكن بعض العمليات ربما تستمر في منطقة أوروميا والمناطق الحدودية بين منطقتي تيغراي وأمهرة.

وسارعت واشنطن للترحيب بعدم نية القوات الإثيوبية التوغل في إقليم تيغراي، داعية للدخول في مفاوضات بين الطرفين. ورحبت وزارة الخارجية الأميركية، أمس الأول، بما قالت إنها تقارير تفيد بأن قوات الحكومة الإثيوبية لن تتوغل في إقليم تيغراي، ودعت أديس أبابا لوقف الغارات الجوية، وإريتريا لسحب قواتها من إثيوبيا.

وطالبت أطراف النزاع في إثيوبيا بوقف الأعمال العدائية ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان والسماح بوصول المساعدات الإنسانية والدخول في مفاوضات، مشيرة إلى أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في إثيوبيا.

ويأتي هذا بعد أيام من إعلان زعيم قوات تيغراي دبرصيون جبراميكائيل أن مقاتليه تلقوا أوامر بالانسحاب إلى داخل الإقليم.

واقترح، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه مفاوضات. كما اقترح إنشاء منطقة حظر طيران فوق تيغراي لمنع الهجمات الجوية على الإقليم، وفرض حظر دولي على الأسلحة على إثيوبيا وإريتريا، وآلية تابعة للأمم المتحدة للتحقق من مغادرة القوات المسلحة الخارجية تيغراي، وهي جميعها طلبات من المرجح أن تعارضها الحكومة الإثيوبية.

إعادة الملفات إلى المربع المطلوب دولياً

وقال الكاتب والصحافي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، في اتصال هاتفي مع “العربي الجديد”، إن “ما حصل (في الميدان من وقف التقدم) أدى إلى إعادة الملفات إلى المربع المطلوب دولياً، وهو أن تقوم قوات تيغراي بالانسحاب من إقليمي عفر وأمهرة، وانسحاب الجيش الإثيوبي من إقليم تيغراي، وأن يكون هناك مفاوضات للتوصل إلى سلام شامل”.

لكنه أشار إلى أنه لا يزال هناك بعض النقاط التي ستُبقي التوترات على الأرض، وبينها اتهام “جبهة تيغراي” لإريتريا بالسيطرة على مناطق في الجزء الغربي من الإقليم، وذلك على الرغم من تأكيده أن الوضع سيكون مستقراً في المرحلة الحالية.

وأعرب عن اعتقاده بأن انسحاب قوات تيغراي إلى داخل الإقليم جاء نتيجة الخسائر البشرية الهائلة بين صفوفها. وفي حين أشار إلى إمكانية أن يكون هناك مساءلة داخل الإقليم للجبهة، فإنه عبّر عن مخاوفه من أن تقوم الجبهة بتحرك عسكري ما لتقليل الضغوط عليها.

وأشار إلى وجود أحاديث عن عمليات تدريب وحشد للمسلحين في تيغراي. وبرأيه فإنه إذا لم تشعر قيادات الجبهة بوجود ضغط داخلي عليها فإنها قد تتحرك من أجل التوصل إلى سلام مع الحكومة الإثيوبية.

وبشأن إمكانية دخول الطرفين في مفاوضات جراء ضغوط إقليمية ودولية، أوضح عبد الصمد أن “الضغوط الدولية على الطرفين لوقف الحرب والجلوس حول طاولة المفاوضات قديمة، وهو ما أدى سابقاً إلى انسحاب القوات الحكومية من تيغراي، إلا أن الجبهة شنت هجوماً واكتسحت إقليمي عفر وأمهرة، والآن تطالب بعد الانسحاب منهما بإجراء مفاوضات للتوصل إلى سلام.

ولفت إلى أن “جبهة تيغراي” وافقت على مبادرة الاتحاد الأفريقي التي حملها مبعوث الاتحاد أولوسيغون أوباسانغو، التي يمكن إعادة إطلاقها في فترة وجيزة، وتتضمن تأمين ممرات لوصول المساعدات إلى المحتاجين والتوصل إلى سلام شامل في البلد.

جبهة تيغراي تحاول حفظ ماء الوجه 

من جهته، أعرب رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد بقعاي عن اعتقاده بأن حديث “جبهة تيغراي” عن المفاوضات محاولة لحفظ ماء الوجه بعد الهزائم العسكرية في إقليمي عفر وأمهرة، إذ كان قادتها يهددون، قبل أسابيع، بإسقاط أديس أبابا.

وأشار، في اتصال هاتفي مع “العربي الجديد”، إلى أن إعلان الحكومة عدم دخول تيغراي جاء بناء على توصلها إلى هدفها الرئيسي، وهو تحرير عفر وأمهرة، والمرابطة على حدود إقليم تيغراي.

واستبعد إمكانية التفاوض بين الحكومة الإثيوبية و”الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، موضحاً أن مفوضية الحوار، التي أعلنت الحكومة عنها أخيراً، لا تهدف للتفاوض مع جبهتي تيغراي وأورومو، بل مع الأحزاب السياسية المعارضة.

وأشار إلى أن الحكومة وافقت على التفاوض مع مجموعات معارضة من قومية التيغراي، إلا أن اعتبار “جبهة تيغراي” نفسها الممثل الشرعي الوحيد للقومية قد يصعّب من حصول هذا الأمر. ولهذا فإنه اعتبر أن توقف القتال حالياً قد يكون عبارة عن استراحة المحارب.

استبعد بقعاي إمكانية التفاوض بين الحكومة و”جبهة تيغراي”

وبرأي بقعاي فإن القوات الحكومية “استطاعت الانتصار في الحرب جراء 3 عوامل: وحدة الشعب لمواجهة الانقلاب، وتوحيد السياسيين لأهدافهم، بالإضافة إلى العامل الأهم وهو التحالفات الاستراتيجية التي قامت بها الحكومة مع دول إقليمية ودولية، وعلى رأسها أريتريا، وتركيا والإمارات وروسيا والصين”.

تحديات أمام إمكانية فتح باب التفاوض 

ومع إعلان الحكومة وقف العمليات العسكرية، فإن التحديات برزت أمام إمكانية فتح باب التفاوض بين الطرفين. وأشار موقع “ريليف ويب” (Relieweb)، المختص بالشؤون الإنسانية حول العالم، إلى وجود عدد من التطورات قد تفجر الوضع مجدداً، إذ إن قوات أمهرة مصممة على التمسك بالمناطق المتنازع عليها في غرب تيغراي، التي استولت عليها في وقت مبكر من الحرب. كما لا تزال الحكومتان الإثيوبية والإريترية غير مستعدتين للسماح لقوات تيغراي بالوصول إلى خط إمداد خارجي مع السودان.

ويشير المسؤولون في إثيوبيا إلى أنه سيتعين على قوات تيغراي نزع سلاحها، حيث تشكل قواتها مخاطر وارتكبت فظائع خلال هجومها على أمهرة وعفر. في المقابل، فإن زعماء تيغراي، الذين يعتقدون أن المنطقة تواجه تهديداً وجودياً من جيرانها، سيرفضون أي اقتراح من هذا القبيل.

وأشار الموقع إلى أنه ينبغي للأطراف المتحاربة، بدلاً من السماح لهذه القضايا بمنع المحادثات، أن تتعامل معها تدريجياً كجزء من حوار أوسع نطاقاً. وأشار إلى أن المخرج قد يكون عبر تولي أوباسانغو زمام المبادرة، عبر إعداد بيان يرحب بالتحركات الأخيرة لإنهاء القتال، ويدعو إلى وقف رسمي للأعمال العدائية وإطلاق مفاوضات، وذلك بدعم إقليمي ودولي.

تزويد أديس أبابا بطائرات مسيّرة ضاربة

وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية ذكرت، في تقرير في 21 ديسمبر/كانون الأول الحالي، أن “النصر العسكري المذهل” الذي حققته القوات الحكومية في إثيوبيا يعود فضله لتزويد 3 قوى خارجية أديس أبابا بطائرات مسيّرة ضاربة.

وأوضحت أن سبب الانقلاب في الحرب كان أسطولا من الطائرات المقاتلة بدون طيار، حصلت عليها القوات الحكومية أخيراً من حلفاء في منطقة الخليج وأماكن أخرى.

ونقلت عن مصادر مطلعة قولها إنه “على مدى الأشهر الأربعة الماضية، زودت الإمارات وتركيا وإيران أبي أحمد ببعض أحدث الطائرات المسلحة بدون طيار، حتى عندما كانت الولايات المتحدة والحكومات الأفريقية تحث على وقف إطلاق النار وإجراء محادثات سلام”.

وذكر موقع “يوراسيا تايمز”، في تقرير نشر أخيراً، أنه بالإضافة إلى الطائرات التركية المسيّرة من نوع “بيرقدار”، فإن الطائرات الصينية المسيرة من نوع “لونغ 2” كان لها دور أيضاً في انتصار الجيش الإثيوبي على “جبهة تيغراي”.

وكان مصدران قالا، لوكالة “رويترز”، الأربعاء الماضي، إن هناك خلافات بين السلطات الأميركية وتركيا بشأن مبيعات أنقرة من الطائرات المسيرة المسلحة إلى أديس أبابا، وأضافا أن هناك أدلة متزايدة على أن الحكومة الإثيوبية استخدمت الأسلحة ضد المقاتلين المتمردين.

وكشفت بيانات جمعية المصدرين، بحسب “رويترز”، أن صادرات الدفاع التركية إلى إثيوبيا بلغت نحو 95 مليون دولار في الشهور الأحد عشر الأولى من 2021، مقارنة مع عدم وجود صادرات فعلياً في العام الماضي. واشترت إثيوبيا أيضا طائرات مسيرة من الإمارات.

 

المصدر العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.