في كلِّ عام، ومع إطلالة ذكرى الاستقلال كشبحٍ باهتٍ فوق شرفات أسمرا، تخرج السلطةُ من جُحر عتمتها بطقوسٍ مزيَّفة، تُزيِّن بها وجهَ القهر بطلاء الانتصار. تُرفع الأعلام، وتُقرع الطبول، لكن خلف كل ذلك صمتٌ يئنّ في صدور الناس، وذاكرةٌ تنزفُ تحت أقدام الخطابة الرسمية. أيُّ استقلالٍ هذا الذي تحوّل إلى سوطٍ يُجلد به الحلم، وأيّ حريةٍ تلك التي يغنى لها في مهرجانات مُسيّسة، بينما الحرية الحقيقية تقبع في زنزانة نسيانٍ مدروس؟
ما يُحتفل به ليس استقلالًا، بل طقوسُ خداع مظلم يُحوّل دماء الشهداء إلى حبرٍ لكتابة مراسيم الطغيان. نظامٌ يصنع من جماجم المواطنين تماثيل لمجده الزائف، ويجعل من ساحات الوطن متاحف صامتة لعرض الخديعة، فالوطن لم يُولد من رحم البنادق وحدها، بل من تلاحم القلوب التي آمنت أن التنوع قوة، وأن التحرير وعد لا يُنكث.
قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان الاستقلال حلماً يحلّق كطائر الفينيق فوق البحر الأحمر، تتسع جناحاه لاحتضان كل مكونات المجتمع الإرتري، الأعراقُ كانت تصبُّ في نهرٍ واحدٍ نحو بحر الحرية، لكن النظام أفسد المشروع الوطني وقسم المجتمع وحول شعار الوحدة إلى أداة للسيطرة و الوعد بالحرية إلى خديعة مكشوفة.
اليوم، تُستَعرض القوميات في المهرجانات كدمى ملوَّنة فوق مسرح سلطوي أجوف. تُغني بلسانٍ مبتور، وتُرغم على الرقص تحت سيف التهديد. الفسيفساء الإرترية، التي كانت ذات يوم مَعلماً للفخر، أضحت أرقاماً في معادلة البقاء من يُسكتُ صوتَ مجتمعه، ينال فتات الحظوة ومن يرفع رأسه، يُقصى أو يُدفن بصمت.
في قرى المنخفضات، يعاني الناس من الفقر والإهمال، والجوع يلاحق الأطفال، ولا توجد مدارس أو مستشفيات، وفي مناطق العفر يستمر سقوط الشباب ضحايا للحرمان وغياب أبسط مقومات الحياة، بينما الساحل يعيش الإهمال نفسه، بلا خدمات، بلا فرص، بلا اهتمام. لا يحارب النظام الفقر، بل يستخدمه كأداة للسيطرة. ولا يقبل بالتعدد، بل يعمل على إضعافه من خلال التهميش وربط الدولة بمكون واحد فقط، وكأن باقي مكونات الشعب غير موجودة أو غير جديرة بالمشاركة.
أسوأ من القهر الصريح، القهر الذي يتزيَّن بالوطنية. حين يختبئ المستبد خلف ضحاياه، ويُقدّم انقسام المجتمع كحماية، والتهميش كعدالة، يغدو الكذب سياسة، ويصبح التاريخ مشروعاً للغش الجماعي، القومية التي تصمت اليوم عن جرائم النظام، أو تشارك فيه طمعاً أو جهلاً، إنما تغرس بذور العزلة حول نفسها.
ورغم هذا السواد، هناك ما يُبقي الأمل حيًا. أصوات الشباب التي تتسلل عبر الجبال وهم ينسجون حلم وطنٍ للجميع، وهمسات الأمهات بالدعاء، وصرخات الشرفاء التي تَثقب جدار الخضوع كلها إشارات إلى أن بذور “التحرير الثاني” قد زُرعت.
لن يكون هذا التحرير انقلابًا من فوق، بل انتفاضة من القاعدة، زلزالًا قيميًا، يقتلع جذور الكراهية ويزرع محلها العدالة والمساواة، فالوطن الذي ننشده ليس ساحة حرب ولا متحفًا للنكبات، بل فضاءً مشتركًا يليق بتضحيات شعبه، بكل مكوناته.
الاستقلال ليس لحظة في التقويم، بل ضميرٌ يُستعاد. ليس احتفالًا تُديره الأوامر العسكرية، بل لقاء حرّ لأبناء الوطن تحت سقف العدل، فمثلما بدأ التحرير الأول برصاصة في أدال ضد المستعمر الإثيوبي، يبدأ التحرير الثاني بكلمة حقّ في وجه الطغيان الداخلي.
ليكن هذا العام موعدًا لمصالحة جذرية، دعونا نسترد المعنى، نعيد كتابة العقد الاجتماعي، ونستعيد الوطن من بين أنياب الطغيان، الاستقلال لا يُهدى، بل يُنتزع، لا من عدو خارجي فقط، بل من قبضة كل طاغية يتزيَّن بلباس الوطن ليبتلعه.
فالوطن ليس جائزةً للموالاة، ولا عقوبةً للمعارضة، إنه بيت الجميع، والبيت لا يُبنى بالعُنف، بل بالإرادة الحرة، والعدالة التي لا تستثني أحدًا.
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية