عندما يتحوّل الحلم إلى كابوس: الهيمنة القومية في إرتريا وأزمة بناء الوطن الذي لم يكتمل


بعد عقود من الكفاح المرير، وُلِدَت إرتريا من رحم الدماء عام 1991، حاملةً آمالًا بمجتمع تعددي تسوده العدالة، لكن شمس الاستقلال سرعان ما أفلت خلف هيمنة نخبة قومية اختطفت دولة بأكملها، وحوّلت ثورة التحرير إلى سردابٍ للاستبداد.

لم تكن إرتريا يومًا مجرد أرض، بل كانت فكرة متوهجة: جبال تئنّ بآلام الثوار، وسهول تروي قصص التضحيات. لكن النصر، الذي كان ثمنه أرواحًا كالنجوم، لم يُزهِر حرية وعدالة وكرامة للإرتريين، بل أسقطهم في فخ هيمنة قومية تقودها نخبة من التجرينيا، حوّلت الدولة الناشئة إلى إقطاعية سياسية، مستندةً إلى ذريعة “الخطر الخارجي” – لا سيما بعد حرب الحدود مع إثيوبيا (1998–2000) – لتبرر تحويل الشباب إلى وقودٍ لطموحات جنرالات النظام، مما دفع أجيالًا متعاقبة من أبناء المجتمع الإرتري إلى دفع ثمن الجنون السياسي: حرمانًا وفقرًا وجهلًا.

جغرافيا الإقصاء: حين تصبح الهوية سجناً

رغم اعتراف الدستور الإرتري (المعلّق) بتسع قوميات ولغتين رسميتين – العربية والتجرينية – إلا أن لغة التجرينية تحوّلت إلى لسان الدولة الوحيد. فمعظم البث الإعلامي والوثائق الرسمية والإجراءات الإدارية تتم بها، ومن لا يتقنها، تتعطل معاملاته، ويُعامل كالغريب في وطنه.

أما التنمية، على محدوديتها، فتتركز في مناطق بعينها، في حين تُواجه المجتمعات الأخرى تهميشًا منهجيًا في التعليم والخدمات، ونقصًا حادًا في المدارس والبنية التحتية، وكأن الدولة تعلن صراحة: “أنتم غرباء هنا”.

ويتجلّى هذا الإقصاء بأوضح صوره في مناطق المنخفضات الإرترية، حيث يجري تغيير ديمغرافي ممنهج عبر سياسات الاستيطان، يتم من خلالها الاستيلاء على الأراضي الزراعية والرعوية وتهجير السكان الأصليين منها بالقوة أو التضييق، لصالح جماعات موالية للنظام، في مسعى لفرض واقع جديد يمحو الهويات التاريخية والثقافية لتلك المناطق.

وفي الوقت الذي تُمنح فيه القومية المهيمنة تسهيلات ودعمًا لبناء مؤسساتها، تُفرض على القوميات الأخرى قيود خانقة، تجعل حتى إنشاء مركز لتحفيظ القرآن أو تعليم اللغة العربية بالجهود الذاتية من المحظورات التي يخشى الناس الاقتراب منها، بينما تُبنى كنائس ومدارس بدعم داخلي وخارجي دون عوائق أو محاسبة.

المقاومة الخفية: بصيص أمل تحت أنقاض الخوف

ورغم القمع والتضييق، لا يزال المجتمع الإرتري يواصل نضاله للتحرر من الهيمنة القومية بوسائل متعددة. ففي الداخل، تُبذل محاولات جريئة لمواجهة النظام، أما في الخارج، فتنشط معارضة متنامية تنظم مظاهرات وتعمل على إفساد برامجه بين الجاليات الإرترية في المهجر.

ميراث الديكتاتوريات

تُظهر تجارب الشعوب المجاورة أن الهيمنة القومية لا تثمر إلا الفوضى. ففي رواندا، أدى التهميش إلى مذابح جماعية مروعة. أما إثيوبيا، فرغم عيوب نظامها الفيدرالي، فقد منح الأقاليم نوعًا من الحكم الذاتي خفّف من الاحتقان وأبقى الباب مواربًا أمام الحلول السياسية.

وفي المقابل، نجد في جنوب إفريقيا مثالًا يُحتذى به، حيث اختارت الدولة مسار العدالة الانتقالية بعد عقود من نظام الفصل العنصري. فقد تم تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة التي استمعت إلى الضحايا والجناة على حد سواء، وأتاحت للمجتمع فرصة التصالح مع ماضيه دون إنكار أو تهرب، وهو ما جنّب البلاد الانزلاق إلى دائرة انتقام أو انهيار.

أما في إريتريا، فإن غياب هذه العدالة الانتقالية، والإصرار على طمس الذاكرة الجمعية وتجاهل المظالم، يغذي دوامة الكراهية والانقسام. فهل تتعظ نخب التجرينيا من دروس التاريخ، وتُدرك أن الاستقرار لا يتحقق بالقمع، بل بالمصالحة والاعتراف المتبادل؟

نحو عقد اجتماعي جديد: هوية تتسع للجميع

الخروج من هذا النفق ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب شجاعة في مواجهة الواقع، وتفكيك منظومة القمع والهيمنة:

تقديم المجرمين إلى العدالة، وإطلاق سراح المعتقلين.

وقف التغيير الديمغرافي، وعودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم.

الاعتراف بجرائم النظام، والاعتذار عنها، وتشكيل لجان حقيقة ومصالحة على غرار جنوب إفريقيا، تُنصت للضحايا وتُعيد كتابة التاريخ بمنظور إنساني.

صياغة دستور وطني يضمن حقوق جميع مكونات الشعب الإرتري، واعتماد نظام لا مركزي يُحوّل الأقاليم إلى فضاءات للتنوع بدلًا من أن تكون سجونًا طائفية.

بناء جيش وطني يكون أداة للتنمية لا للقمع، وتسريح الشباب من الخدمة العسكرية الإجبارية، واستثمار طاقاتهم في مشاريع تنموية تُعيد للوطن روحه.

فالوطن الذي حلم به الشهداء لا يُبنى بإقصاء الآخر، بل بالاعتراف بأننا، رغم اختلاف ألسنتنا، ننتمي لوطن واحد، ونستحق ذات الحلم.

جعفر محمد نائب

تعليق واحد

  1. احمد عبدالله

    شكراً جزيلاً لجهد المستمر و للتعرف الصحيح للعصابة الحاكم. بعد 34 سنة من نظام حكم الفرد الواحد لكن النضال مستمر وهذا ما يخشه الدكتاتور من هذا الجيل و الاستمرار في مقاومة حتي تتحق العدالة الاجتماعية و ينعم الشعب بالحرية المطلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *