نظام أسياس أفورقي: سلطة مرعوبة من مراكز تحفيظ القرءان ومهووسة بامتيازات الكنيسة

 

منذ فجر الاستقلال لم يتوقف نظام أسياس أفورقي عن خوض حربه المفتوحة ضد كل ما يُعبّر عن هوية الشعب الإرتري وتنوّعه ومصادر وعيه، فبدلاً من بناء دولة مواطنة عادلة اختار أن يؤسس سلطته على القمع والتهميش والإقصاء الممنهج.

فمشهد إغلاق مركز تحفيظ القرآن الكريم في مدينة قندع واعتقال الشيخ آدم شعبان مدير المركز ، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات على الحريات الدينية والتعليمية، لا سيما في المناطق ذات الأغلبية المسلمة في المنخفضات الإرترية.

لم يكن الإغلاق الأخير لهذا المركز حالة استثنائية، بل فصلا جديدا في مسلسل طويل من التضييق، فقد أُغلق لأول مرة مطلع الألفية حين كان معهدًا إسلاميًا واعتقال عدد من مشايخه ومعلميه، قبل أن يُعاد افتتاحه لاحقًا كمركز لتحفيظ القرآن الكريم. والمفارقة المؤلمة أن الأرض التي بُني عليها المركز أرض وقف إسلامي تبرّع بها الحاج سيد محمد داؤود السيد رحمه الله، لوجه الله وخدمة كتابه، لتتحول اليوم إلى ملكٍ تتصرف فيه السلطة كما تشاء، في انتهاك صارخ لمعنى الوقف ومكانته الشرعية، هذا النمط من الإغلاق والاستحواذ يكشف عن نهج متكرر لا يستهدف المباني فحسب، بل الرسالة التي تحملها.

لم يكن هذا السلوك استثناءً، بل امتدادًا لسلوك ممنهج بدأ منذ اللحظة الأولى لتحرير البلاد. فكل صوت مستقل، سياسيًا كان أو دينيًا أو فكريًا، ظل دومًا هدفًا مباشرًا للنظام، الذي لا يرى في وعي المجتمع إلا تهديدًا صريحًا لهيمنته. لذلك لم تتوقف حملات الاعتقال، ولم تتراجع سياسة إغلاق المراكز والمعاهد. فالنظام لا يحتمل وجود أي جهة تُنتج الوعي أو تحافظ على الهوية خارج قبضة أجهزته الأمنية.

وفي الوقت الذي تُغلق فيه معاهد تحفيظ القرآن، ويُعتقل علماؤها، يمنح النظام الكنيسة الأرثوذكسية مساحات شاسعة من أراضي المسلمين في منطقة المنخفضات لمشاريع استثمارية في تناقض صارخ يكشف عن سياسة تمييز ممنهجة تهدف إلى فرض واقع طائفي يُكرّس امتيازات طرف على حساب آخر. هذه السياسات لا يمكن فصلها عن محاولات مستمرة لإعادة تشكيل التركيبة السكانية والثقافية لإرتريا، بطريقة تُهمّش مكونات بعينها وتَحرِمها من أبسط حقوقها في التعليم والدين والأرض.

كل ذلك يجري في مناخ من التوجس الأمني الدائم، حيث يعيش النظام في حالة رُهاب وجودي من كل ما هو مستقل، فلم تكن مواجهته يومًا مقتصرة على المعارضين السياسيين، بل امتدّت لتشمل معلّمي القرآن، وشيوخ المساجد، وكل من يدير نشاطًا مجتمعيًا بسيطًا، مثل هذا السلوك لا يدل إلا على نظام هشّ من الداخل، يعيش على الخوف ويغذّيه القمع والتجريف الممنهج لكل مظاهر الحياة الحرة.

ما حدث في قندع ليس استثناءً، بل تعبيرا دقيقا عن عقلية تخشى من الوعي أكثر مما تخشى من البندقية، ففي الوقت الذي تحترم فيه الدول المؤسسات الدينية والتعليمية وتراها ضمانة للسلم والتوازن، يتعامل النظام الإرتري معها كخطر ينبغي تصفيته. إنه لا يملك مشروعًا وطنيًا جامعًا بل يراهن على مشروع طائفي ضيق يُعيد إنتاج الهيمنة ويُقصي الآخر، وهذه السياسة لا تفضي إلا إلى الانقسام والكراهية.

إننا أمام لحظة تاريخية تستدعي من القوى الحية في الداخل والشتات رفع الصوت عاليًا، وتنظيم الصفوف دفاعًا عن كرامة شعبٍ تُنهب أراضيه، وتُصادر حرياته، ويُطارَد أطفاله في مساجدهم. فالصمت خيانة، والمواجهة الواعية ضرورة وطنية وأخلاقية.

إن نظامًا يخاف من كتاب، ويرتعد من حلقة تعليم، ويلاحق الذاكرين لله، لا يمكن أن يصنع وطنًا، بل يؤسس لحرب داخلية صامتة سيكون ثمنها فادحًا على الجميع.

محمد عبد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *