حين يتحوّل “الجيش” إلى حارس للنظام لا للوطن

في كل دولة تنشد السيادة وتبني مشروع الدولة، يُفترض بالجيش أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، تُجسّد وحدة الأرض والشعب، وتعمل تحت مظلة الدستور والقانون. لكنه في إرتريا، ما يُسمى بـ”الجيش الإرتري” يُمثّل نقيض هذا المفهوم: تشكيلٌ عسكري مُفرغ من المعنى الوطني، يشتغل خارج حدود الدولة الحديثة، ويُعيد إنتاج منطق المليشيا تحت لافتة الدولة.

انطلقت الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا كمشروع تحرري ضد الاستعمار الإثيوبي، وقادت مسيرة الاستقلال حتى نيله في عام 1991. غير أن التحول من حركة مقاومة إلى كيان حاكم لم يُصاحبه انتقال إلى دولة مؤسسات. فبدلًا من ترسيخ مبادئ الديمقراطية وتعدد السلطات، تم إعادة تدوير الهياكل العسكرية والأمنية للجبهة كأدوات حكم مطلقة، في مشهد يُعيد إنتاج الدولة الشمولية.

الجيش الذي نشأ في كنف هذا المسار لم يكن جيشًا وطنيًا بمعناه المؤسسي، بل تم توظيفه منذ البداية كأداة قمع سياسي واجتماعي. لم يشهد هذا الكيان العسكري أي إصلاح بنيوي يُحوّله إلى مؤسسة قومية جامعة، بل ظل أسيرًا لعقيدة حزبية مغلقة، تُقدّس الطاعة وتُجرّم النقد، وتُربّي أفرادها على الولاء للرئيس لا للوطن.

العقيدة العسكرية، كما تُعرف في الجيوش النظامية، تُشكّل الإطار الفكري الذي يُوجّه مهام القوات المسلحة في حماية السيادة وضمان الاستقرار واحترام الإرادة الشعبية. إلا أن ما تحمله المؤسسة العسكرية الإرترية اليوم ليس عقيدة وطنية، بل هي منظومة أيديولوجية طائفية غير مُعلنة، يُعاد إنتاجها لحماية رأس النظام وحاضنته الاجتماعية والجهوية.

في جوهرها، هذه القوات لا تُعبر عن الشعب الإرتري بمكوناته المتعددة، بل تعكس بنيانًا سياسيًا وأمنيًا مُكرّسًا لحماية النظام، وتُمارس عملها كأداة تطهير سياسي واجتماعي، لا كمؤسسة أمن وطني. هذا التشوّه البنيوي في العقيدة يُفسر كيف تحوّلت الثكنات إلى مراكز نفوذ، والمجندون إلى عناصر مراقبة داخل المجتمع، والسلاح إلى ضمانة لهيمنة أقلية حاكمة لا مشروع وطني جامع.

يتضاعف خطر هذه الحالة في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة المدنية: لا برلمان فعّال، ولا قضاء مستقل، ولا إعلام حر، ولا مجتمع مدني قادر على الرقابة أو المحاسبة. في هذا الفراغ، يتمدد الجيش كقوة فوق الدولة، تُمارس سلطتها بغطاء رسمي، لكنها في واقع الأمر خارج أي نظام قانوني حقيقي. إنها دولة بلباس المليشيا، لا العكس.

و ما يُثير القلق أن بعض أطياف المعارضة الإرترية بدأت مؤخرًا تراهن على هذا الكيان العسكري المشوّه كمُحرّك محتمل للتغيير. تُطرح فرضيات عن انقلاب داخلي، أو انقسام محتمل، أو إعادة تموضع تُمكّن من عبور نحو مرحلة انتقالية.

لكن هذا الرهان، وإن بدا براغماتيًا في ظاهره، لا يخلو من التبسيط والسطحية. إذ لا يُمكن أن ينبثق مشروع ديمقراطي من جسد مليشياوي لم يعرف الانضباط المؤسسي، ولا يؤمن بالتعدد، ولم يُربَّ على ثقافة الدولة. إن مَن تربّى على الطاعة العمياء لا يتحوّل فجأة إلى ضامن للحريات. ومن تشكّل على أساس طائفي وجهوي لا يمكن أن يكون حاميًا للتنوع الوطني.

إن الرهان على الجيش في صيغته الحالية ليس رهانًا على الاستقرار، بل هو امتداد لمنطق الانقلابات الذي اختبرته القارة الإفريقية لعقود، وأثبت فشله في كل مرة. فالجيوش لا تصنع الديمقراطيات إلا عندما تكون جزءًا من منظومة قانونية مدنية، تُحدّد وظائفها وتضبط علاقتها بالسلطة.

التغيير في إرتريا لا يُمكن أن يأتي من داخل أدوات النظام نفسه، بل يجب أن ينبع من مشروع وطني يعيد تعريف الدولة بوصفها فضاءً مشتركًا لكل أبنائها. مشروع يُنهي احتكار السلطة، ويُعيد توزيع القوة بين مؤسسات شرعية، ويُرسّخ ثقافة المواطنة على حساب ثقافة الولاء.

وفي هذا السياق، لا بد من بناء جيش وطني جديد، تنشئه دولة مدنية، ويخضع لسلطة القانون والدستور، وتُحدّد مهمته في الدفاع عن حدود الوطن، لا حدود الحاكم. أي مقاربة أخرى تُبقي إرتريا رهينة لسُلطة السلاح لا لسُلطة الشعب

و ما يُسمى اليوم بـ”الجيش الإرتري” ليس أكثر من مليشيا طائفية في زيّ الدولة. هو أداة قمع تُدار بمنطق الانتماء العصبوي، لا الانتماء الوطني. واستمراره بهذه الصيغة لا يُهدد فقط الحاضر الإريتري، بل يُقوّض فرص المستقبل.

من أراد التغيير الحقيقي، عليه أن ينطلق من الجذور: من إعادة تعريف العقد الاجتماعي، من بناء دولة مدنية حاضنة للجميع، من مشروع وطني لا يستبطن أدوات الاستبداد بل يتجاوزها. فالدولة لا تُبنى من ركام المليشيات، بل من إرادة الشعوب حين تنكسر قيود الخوف.

جعفر محمد نائب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *