إريتريا.. وطنٌ لم يُولد من رحم خيار شعوبه، بل رُسم على خرائط المستعمر الإيطالي، خريطة هندسها الغازي وألبسها ثوب الدولة الحديثة بالقدر الذي يلبي حاجاته الخاصة دون مراعاة لحاجات أصحاب الأرض، وبقيت القوميات الأصيلة فيها أسيرة حدودٍ لم تُستشر في رسمها، ولا شاركت في صياغة ملامحها. ومنذ تلك اللحظة الأولى، ظلّت هذه البلاد تعيش تحت ثقل التناقض بين واقعٍ جغرافي صاغه الاستعمار، وبين شعوبٍ متنوّعة الهوية والثقافة تبحث عن وطنٍ حقيقي يتّسع لكرامتها.
لكن المأساة لم تتوقف عند الاستعمار الخارجي، بل استمرّت عبر سلطة داخلية أكثر حقدًا وبطشاً، سلطة تدثرت بعباءة الوطنية ولكن سرعان ما أسفرت عن وجهها الحقيقي الذي تمثل في مشروعٍ طائفي بامتياز. هذه السلطة أدركت باكراً أن السيطرة على وعي الناس تمرّ عبر السيطرة على المعلومة، فجعلت من التعتيم الإعلامي سياسة استراتيجية، وأحكمت قبضتها على كل منبرٍ وصوت. لا صحافة حرة، ولا إذاعة مستقلة، ولا حتى شفافية حول أبسط تفاصيل الدولة؛ إذ لا أحد يعرف ميزانية البلاد، ولا كيف تُصرف مواردها، وكأنّ الوطن شركة خاصة مملوكة لعائلة أو فرد.
منذ دخول قوات الجبهة الشعبية إلى أسمرة، كانت البوصلة واضحة: الحرب على كل ما يُمثّل العمق الحضاري والروحي للشعب. استُهدف معلمي المدارس الإسلامية أولاً، فاختفوا في غياهب المعتقلات ولا يُعرف مصيرهم حتى اليوم. ثم جاءت الضربة الكبرى على اللغة العربية، لغة القرآن والتاريخ المشترك لقطاع كبير من المجتمع الإرتري، فحوربت في المدارس والإعلام، ليُقصى نصف وجدان الشعب عن لغته التي اختارها وأقرها دستور المرحلة الفيدرالية وبعد ذلك دساتير معظم التنظيمات الوطنية الإرترية. فأُغلقت المراكز الإسلامية، وجرى التضييق على العلماء والدعاة، وكان آخر حلقات هذا الاستهداف اعتقال الشيخ آدم شعبان قبل أسابيع قليلة، في تأكيدٍ جديد على أنّ سياسة النظام ليست طارئة ولا عشوائية، بل منهجٌ ممتد لإفراغ البلاد من هويتها الأصيلة.
وإلى جانب حربه على الدين واللغة، لجأ النظام إلى إعادة تقسيم البلاد إلى محافظات جديدة، ليس بهدف التنمية أو الإدارة الرشيدة، بل في إطار مخطّطٍ للتغيير الديمغرافي، يطمس الحدود الجغرافية التاريخية للقوميات ويزرع واقعاً مشوّهاً، يتيح له الاستيلاء على الأرض باسم “السكان الجدد”. إنها سياسة اقتلاع بطيء، تجعل القوميات عاجزة عن تمييز أراضيها، وتفتح الباب أمام هندسة اجتماعية على مقاس السلطة.
وفي الداخل، تحوّل الوطن إلى سجنٍ كبير. الشباب الذين يُفترض أن يكونوا عماد المستقبل، صاروا بين خيارين: الهروب عبر البحار والقفار نحو المنافي، أو الوقوع في قبضة التجنيد الإجباري اللانهائي، حيث يتحولون إلى وقودٍ لآلة حربٍ لا تخدم سوى بقاء النظام. وهكذا، غدت شوارع المدن خاوية من الحيوية، كأنها دورٌ للمسنين، بعد أن غادر مئات الآلاف من شبابها هربا بحياتهم وآمالهم والذين لم يحالفهم الحظ التهمتهم نيران الحروب العبثية.
حتى في الخارج، لا يجد المواطن ملجأ. فبدلاً من أن تكون السفارات كما هي في الدول التي تصالحت مع شعوبها: وجه الحضارة وحصن المواطن في الغربة، تحوّلت السفارات الإرترية إلى أوكار للجباية والإرهاب والتجسس. هي انعكاس دقيق للفوضى الداخلية: تطارد المغتربين، تفرض عليهم الإتاوات، وتزرع بينهم الخوف والشكوك، لتبقى يد السلطة ممدودة إليهم ولو ابتعدوا آلاف الأميال.
أما المعارضة، التي كان الأمل معقوداً عليها أن تكون صوت الشعب وضميره، فقد غرقت هي الأخرى في دوامة العجز. فهي تصف المرض بلغة النظام، لكنها لا تملك وصفة العلاج. بعضها ينتظر دوره في الحكم مستنداً إلى ماضيه كمقاتل، وبعضها يعيش في ظل الخوف من سلطة يعرف خباياها، فلا يجرؤ على تجاوز الخطوط. والأسوأ أنّ بعض المنشقين ما زالوا يحلمون بأن يستعيد النظام “رشده”، وكأن ثلاثة عقود من القتل والسلب لم تكفِ لإسقاط هذا الوهم. فبدلاً من أن تكون المعارضة حلاً، تحولت في كثير من الأحيان إلى جزءٍ من المشكلة، تساهم في إدامة دوامة القهر بدلًا من كسرها.
أما الانفصال، فلم يعد مجرد شبحٍ يُلوّح به البعض، بل تحوّل إلى مطلب عادل وصوتٍ جريء يتردد بين شرائح واسعة من الشعب. فكيف يُطلب من الناس أن يقبلوا بحياةٍ مستحيلة داخل منظومةٍ لا تعترف بكرامتهم ولا بحقوقهم؟ حين تصبح الوحدة قيداً من حديد، فإن المطالبة بالانفصال لا تعود خيانة، بل تصبح صرخة طبيعية لمن يبحث عن خلاص. اليوم، صار كثير من أبناء الشعب يرون أن بناء كياناتٍ جديدة أكثر عدلاً وإنصافاً أهون من البقاء أسرى لدولةٍ تُذلهم كل يوم.
النظام الذي ادّعى يوماً العلمانية، كشف عن وجهه الحقيقي: ارتماءٌ في أحضان الطائفية، وتديّنٌ انتقائي لا ينام إلا على بركة كبار القساوسة. ومعه يروّج بعض الموالين لفكرة الانضمام إلى إقليم تغراي في إثيوبيا، لصناعة كيانٍ طائفي جديد يخدم قومية التجرينية، في محاولةً بائسة للهروب من حقيقة فشل الدولة وانهيارها.
وسط كل هذا، يعيش الشعب تحت وطأة العذاب اليومي. التعليم على جهاز الإنعاش، البنية التحتية جثة هامدة، الصحة تترنح بين العجز والفقر، والأمل يخفت يوماً بعد يوم. وكأن كل شيء في هذا الوطن بُني على مقابر الأحياء، لا على أسس العدالة والكرامة.
أما العالم الخارجي، فيمارس صمته المريب. القوى الكبرى ترى إرتريا رقماً في معادلات الجغرافيا السياسية، وتغض الطرف عن مآسي شعبها، مما يمنح النظام ضوءاً أخضر لمواصلة جرائمه بلا مساءلة أو عقاب.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأعمق التي تؤكدها نواميس الكون ونضالات الشعوب: أن الوطن ليس حدوداً على الخرائط، ولا سلطة مُغتصبة تتوارث العرش. الوطن هو الإنسان، بكرامته وحريته وأمنه. وكل مشروع يقوم على محو الآخر، أو طمس هويته، أو على قمع الكلمة، مصيره إلى زوال. فالشعوب حينما تريد، أنهارٌ هادرة، قد تُعاق لبعض الوقت، لكنها ستشق طريقها حتماً نحو بحر الحرية. فمتى نغضب؟
جعفر محمد نائب
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية