في الذكرى الثانية عشرة لتأسيس رابطة أبناء المنخفضات الإرترية، نقف اليوم أمام مسيرة ممتدة من العمل والتحدي، نستحضر فيها محطات من الصمود والإصرار، ونستعيد معنى الانتماء لقضية لم تكن يوماً سهلة، لكنها ظلت حاضرة في وجدان كل من آمن بعدالتها. اثنا عشر عاماً ، لم تكن مجرد رقم في سجل الزمن، بل كانت تجربة حية شكّلت وعياً جماعياً، ورسخت قناعة بأن العمل المنظم، رغم عثراته، يظل الطريق الأجدر بحمل القضايا والدفاع عنها.
لقد جاء تأسيس الرابطة استجابة لحاجة ملحّة، في ظل واقع معقد يواجهه مجتمع المنخفضات الإرترية، حيث برزت تحديات متداخلة تمس الأرض والهوية والوجود. ومنذ البدايات، حملت الرابطة على عاتقها مسؤولية التعبير عن هذه القضايا، والسعي إلى إيصال صوتها، عبر العمل المدني، والتواصل وبناء الجسور مع مختلف الفاعلين.
وخلال هذه المسيرة، لم تكن التحديات عابرة أو محدودة، بل اتخذت أشكالاً متعددة، كان في مقدمتها ما يقوم به نظام الهيمنة القومية من تغير ديمغرافي ، يهدد التوازن ، ويمس الحقوق الأصيلة للسكان. إن هذه التحولات، بما تحمله من أبعاد سياسية واجتماعية، تضع أمام الجميع مسؤولية مضاعفة لفهم مخاطرها، والتصدي لها بوعي وتنظيم، بعيداً عن ردود الفعل الآنية، وبما يحفظ الحقوق ويصون الكرامة.
كما لا يمكن في هذه المناسبة أن نغفل قضية المعتقلين في سجون النظام الإرتري، الذين يدفعون ثمن مواقفهم أو انتماءاتهم أو حتى صمتهم في كثير من الأحيان. إن استذكارهم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو جزء أصيل من معركة الدفاع عن الإنسان وحقوقه. فهؤلاء الغائبون قسراً عن أسرهم ومجتمعاتهم، حاضرون في ضمير كل حر، وقضيتهم تظل شاهداً على حجم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا، وعلى الحاجة الملحّة لرفع الصوت عالياً دفاعاً عن الحرية والعدالة.
خلال هذه السنوات لم تتوقف الرابطة عن السعي لتثبيت حضورها، والعمل على إعادة بناء ذاتها في أكثر من محطة، مستفيدة من دروس الماضي، ومتطلعة إلى مستقبل أكثر وضوحاً وتنظيماً. لقد أظهرت التجربة أن العمل الجماعي يحتاج إلى صبر طويل، وإلى قدرة على تجاوز الخلافات، وإلى إيمان عميق بأن ما يجمع أبناء القضية أكبر مما يفرقهم.
إن المرحلة القادمة تفرض على الجميع مسؤوليات أكبر، في ظل التحولات المتسارعة، وتزايد التحديات، واتساع رقعة القضايا التي تحتاج إلى معالجة. وهو ما يتطلب رؤية أكثر شمولاً، تعيد الحيوية إلى العمل التنظيمي، وتستثمر في الطاقات الشابة، وتعزز من أدوات التأثير، سواء في الفضاء المحلي أو على مستوى الحضور الدولي.
وفي هذه الذكرى، تؤكد أسرة التحرير أن الرابطة، بكل ما مرت به من صعوبات، لا تزال تمثل إطاراً مهماً يمكن البناء عليه، وتطويره، وتفعيله، بما يخدم قضايا أبناء المنخفضات الإرترية، ويعكس تطلعاتهم. كما تدعو إلى مراجعة جادة، تعيد ترتيب الأولويات، وتضع أسساً أكثر متانة للعمل المشترك، بعيداً عن التشتت والانقسام.
إن الذكرى الثانية عشرة ليست فقط لحظة احتفاء، بل هي أيضاً لحظة وفاء؛ وفاء للأرض التي نحمل همها، وللهوية التي نسعى لصونها، وللمعتقلين الذين نأمل أن يعودوا إلى أهلهم، وللأجيال القادمة التي تستحق مستقبلاً أكثر عدلاً وإنصافاً.
وفي الختام، تحيي أسرة التحرير كل من أسهم في هذه المسيرة، وتدعو الجميع إلى مواصلة الطريق بروح المسؤولية، والإصرار على التغيير، والعمل من أجل غدٍ يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويعيد الاعتبار لقضايا طال انتظار إنصافها.
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية