تحل علينا اليوم الذكرى الخامسة والستون لثورة سبتمبر المجيدة، وهي ذكرى تستوقفنا أمام واحدة من أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الشعب الإرتري، لحظة قرر فيها رجال قلائل أن يواجهوا واقعاً استعمارياً رافضين الاستسلام له، وأن يفتحوا طريقاً نحو الحرية والاستقلال، دون أن تكون أمامهم ضمانات للنصر أو معرفة بما ينتظرهم في نهاية الطريق.
خمسة وستون عاماً مضت منذ أن انطلقت الشرارة الأولى للكفاح المسلح بقيادة جبهة التحرير الإرترية، تبدلت خلالها أجيال، وتعاقبت الأحداث، وتغيرت ظروف كثيرة، لكن تضحيات أولئك الرجال بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية. فلم تكن تضحيتهم مجرد مشاركة في معركة، بل كانت اختياراً صعباً بين حياة شخصية يمكن أن تكون أكثر أمناً واستقراراً، وبين طريق مجهول اختاروا أن يسلكوه من أجل قضية آمنوا بأنها أكبر من مصالحهم وحياتهم الشخصية.
ومن هنا، فإن استحضار ذكرى سبتمبر اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد عودة إلى الماضي، وإنما وقفة للتأمل في معنى التضحية التي قدمها أولئك الرجال، وفي الغاية التي خرجوا من أجلها، ثم النظر إلى واقع الوطن اليوم، وما آل إليه حال الإنسان الإرتري بعد عقود من الاستقلال.
عندما نستعيد ذكرى تلك البدايات، ربما تبدو لنا المسافة الزمنية كبيرة، وقد تبدو أحداثها جزءاً من تاريخ بعيد. لكن علينا أن نتوقف عند السؤال الأهم: كيف بدأ كل ذلك؟
كيف تمكن بضعة رجال، بإمكانات محدودة وأسلحة بدائية، أن يقرروا مواجهة قوة استعمارية منظمة؟ وما الذي دفع رجالاً آخرين ساروا على خطاهم من بعدهم إلى ترك وظائفهم وحياتهم المستقرة، واختيار طريق الثورة؟
هنا تبدأ قصة القائد حامد إدريس عواتي، قائد ثورة سبتمبر المجيدة ومفجر الكفاح المسلح، الذي خرج في سبتمبر 1961 ليضع اللبنة الأولى في طريق طويل من الكفاح. لم يكن معهم جيش كبير، ولا ترسانة من الأسلحة، ولا دولة تقف خلفهم، ولا ضمانة بأن ما بدأوه سينجح، كان معهم إيمانهم فقط ويقينهم بأن للحرية الحمراء باب بكل يدٍ مضرجة يُدق.
ومن الصعب اليوم أن نستوعب حجم المخاطرة التي كانت في ذلك القرار. فالشهيد عواتي والرجال الذين خرجوا معه كانوا يعرفون هدفهم المنشود ووعورة الطريق الذي بدأوا خطواتهم الأولى عليه، ولكن ذلك لم يثنهم عن عزمهم رغم عدم علمهم كم سيستمر المسير، ولا كيف ستكون نهايته.
كما أنهم لم يكونو بلاخيارات في حياتهم، بحسابات المصالح الشخصية وكان أمام كل واحد منهم طريق آخر أكثر أمناً واستقراراً من طريق الثورة فمنهم من كانت له وظيفة وراتب، وترقٍّ وظيفي، وحياة هادئة يمكن أن يعيشوها بعيداً عن المخاطر. ومنهم من كان يستطيع أن يختار لنفسه مستقبلا مستقرا بعيدًا عن الثورة.
لكنهم رغم اختلاف ظروفهم اتفقوا على اختيار واحد أن يتركوا ماكان متاحًا لهم من استقرار ومصلحة شخصية وأن يلتحقوا بطريق الثورة، الذي لم تكن نهايته معلومة ولا النصر فيه مضمونا ولا العودة منه مؤكدة، لقد اختاروا المجهول على المعلوم والتضحية على المغانم والوطن على المصلحة الشخصية وهنا تحديداً تظهر عظمة التضحية.
فالتضحية الحقيقية ليست أن تتخلى عن شيء لا تملكه، وإنما أن تترك شيئاً تستطيع الحصول عليه، وتختار بدلاً منه الدفاع عن وطنك وشعبك مؤمنا بأن حريته وكرامته تستحقان أن يبذل من أجلهما الغالي والنفيس.
ولذلك، فإن الحديث عن ثورة سبتمبر يجب ألا يختزل في المعارك والسلاح والأحداث العسكرية، فقبل كل معركة كانت هناك معركة داخل الإنسان نفسه هل يختار سلامته الشخصية، أم يضع نفسه في طريق النضال من اجل حرية وطنه وشعبه؟
ماذا لو أن أولئك الرجال اختاروا الطريق الآخر، ماذا لو أن الشهيد حامد عواتي فضّل السلامة، ورجال الرعيل الأول الذين كانوا في الجيش السوداني فضلوا الترقي والاستقرار، ماذا لو أن كل واحد منهم قال إن شخصاً آخر يمكنه أن يبدأ الثورة، فربما بقي الاستعمار أكثر اطمئناناً، وربما استمر واقع التبعية جيلاً بعد جيل.
إن التاريخ في كثير من الأحيان يتغير بقرارات يتخذها عدد قليل من الأشخاص في لحظة تبدو فيها النتائج بعيدة وغير مضمونة، وهذا ما يجعل سبتمبر عظيماً.
إن ذكرى سبتمبر لا تكتمل باستعادة الماضي وحده، فالتاريخ لا يصبح ذا معنى إلا عندما نضعه أمام حاضرنا، ونسأل أنفسنا: هل تحقق المعنى الذي من أجله دفع أولئك الرجال كل تلك التضحيات؟
لقد خرج عواتي ورفاقه من أجل أن يعيش الإنسان الإرتري حراً في وطنه، وأن يمتلك حقه في حياة كريمة، وأن تكون كرامة الإنسان وحريته فوق سلطة المستعمر.
لكن المفارقة المؤلمة، وبعد عقود من الاستقلال، مازلنا نواجه واقعاً شديد القسوة وتتواصل المعاناة بتسلط نظام الهيمنة القومية على العباد والبلاد، حيث يقبع عشرات الألاف في السجون وتستمر الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتغيير الديمغرافي لواقع البلاد.
إذا كان عواتي ورفاقه قد اختاروا طريق المجهول لأنهم رفضوا أن يعيش شعبهم تحت سلطة أجنبية، فكيف يمكن أن نقبل أن يعيش المواطن بعد الاستقلال خائفاً من التعبير عن رأيه، أو أن يُعتقل دون محاكمة، أو أن يقضي سنوات طويلة في خدمة وطنية بلا نهاية واضحة؟
هذه ليست مقارنة بين الاستعمار والنظام القائم في كل تفاصيلها، فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكنها مقارنة في المبدأ الذي حمله أولئك الرجال: أن الإنسان يستحق أن يعيش حراً كريماً في وطنه.
فما قيمة الاستقلال إذا لم يشعر المواطن بحريته؟ وما معنى أن يتحرر الوطن من سلطة أجنبية بينما تضيق مساحة المواطن داخله؟ وما معنى أن نحتفل بتضحيات الشهداء إذا لم تكن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته جزءاً من معنى الوطن الذي ضحوا من أجله؟
لقد دفع الشعب الارتري ثمناً باهظاً من أجل الاستقلال. واليوم يقبع الآلاف منه خيرة أبنائه في السجون وأغلب الشعب يعيش في ضنك وفاقة، فيما اضطر كثير من الإريتريين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان والحرية ومستقبل أفضل رغم المخاطر العظيمة في الصحاري والبحار التي عليهم أن يعبروها للوصول إلى بر الأمان.
وهنا تفرض ذكرى سبتمبر سؤالاً آخر، أكثر صعوبة: ماذا عن جيل اليوم؟
فأغلب أبناء إرتريا اليوم يعيشون خارج الوطن، وقد أصبح الشتات جزءاً كبيراً من الواقع الإرتري. لكن هل يكفي أن نكون خارج الوطن لكي نكون أوفياء لقضيته؟ وهل نحن، كجيل يعيش بعيداً عن أرضه، مستعدون للتضحية من أجل الحرية؟
إن السؤال لا يعني بالضرورة أن التضحية اليوم يجب أن تكون بالصورة نفسها التي كانت عليها في ستينيات القرن الماضي؛ فالظروف تغيرت، ووسائل النضال تغيرت، ومسؤوليات الأجيال تختلف. لكن جوهر السؤال لم يتغير: هل نحن مستعدون لأن ندفع ثمناً حقيقياً من أجل المبادئ التي نقول إننا نؤمن بها؟ وهل نستطيع أن نضع القضية الوطنية فوق بعض مصالحنا وحساباتنا الشخصية؟ وهل نحن مستعدون لبذل الوقت والجهد والمال والموقف والكلمة من أجل وطن حر، أم أن ارتباطنا بالوطن أصبح مجرد ذكرى وشعار ومناسبة سنوية؟
ليس المطلوب أن نكرر تجربة الرعيل الأول بحذافيرها، ولا أن نبحث عن المخاطر لمجرد المخاطرة. المطلوب أن نمتلك شجاعتهم في تحمل المسؤولية، وأن ندرك أن الحرية لا يحافظ عليها من يكتفي بالحديث عنها، وأن بناء الوطن لا يقوم على التمني، وإنما على استعداد حقيقي للعطاء والتضحية.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم في الذكرى الخامسة والستون لثورة سبتمبر:
إذا كان أولئك الرجال ومن ساروا على خطاهم من بعدهم قد ضحوا بحياتهم ومستقبلهم من أجل وطن لم يكن حراً بعد، فماذا نحن مستعدون أن نضحي من أجله اليوم؟
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية