الإرادة التي تتحدّى الخوف
في لحظات انهيار العالم، لا ينبثق الضوء من نوافذ المؤسسات، بل من عمق التجربة الإنسانية حين تتحوّل إلى وعيٍ جماعي. في إريتريا، حيث تحوّلت الدولة إلى قفصٍ والوطنية إلى تهمة، لا تزال الزهور تنبت. لكنها اليوم لا تنمو من خصوبة الأرض، بل من صلابة الألم.
جيلٌ إريتريٌّ جديد وُلد في كنف الخيبة، لكنه يرفض أن يكون امتدادًا لها. جيلٌ لم يعرف طعم النصر، لكنه يحمل في أعماقه إحساسًا غريزيًا بأن ما ورثه ليس قَدَرًا، بل صراعٌ مفتوحٌ على المعنى والمصير.
الشباب ليسوا مرحلة عمرية فحسب، بل هم البنية المفاهيمية لأي تحوُّل عميق. هم السؤال القاطع في وجه الإجابات المهترئة. وفي إريتريا، لا يعيشون فقط في صراع مع النظام، بل مع الماضي ذاته، مع خطابٍ “ثوري” استُهلك حتى التكلّس، ومع معارضةٍ مأزومةٍ بحنينها المثالي إلى الماضي وارتباك حاضرها وضبابية مستقبلها الذي لا يرتكز بواقعية على ما تقدم.
التغيير لا يُمنح، ولا يُستدر، بل يُنتزع. وهذا الجيل – رغم التبعثر الجغرافي – بدأ يدرك أن من لا يمسك بمقاليد حاضره، يُدفن تحت ركام ماضيه، خارج دائرة الفعل والأرض في قبر دون شاهد يدل عليه أو يضع وسمه في قلب الذاكرة الجمعية .
الإفريقيّون يثورون… والإريتريون يُقيّدون
بينما شباب القارة الإفريقية يثورون اليوم على الفقر والبطالة والتبعية، ويشقّون طريقهم نحو الوعي والمساءلة والمقاومة، بل ويهتفون في شوارع نيروبي وداكار وكنشاسا ضد الفساد والهجرة القسرية عبر قوارب الموت … نجد أن نظام الهيمنة القومية في إريتريا نجح في انتزاع روح الثورة من شبابها، وحصرهم في قضايا ضيقة تتعلق بإثبات الهوية الإثنية والدينية.
لقد حوّل النظام الصراع من صراع على العدالة والحرية إلى صراع على التعريف: من أنت؟ وإلى أي إثنية تنتمي؟ وبأي لغة تتكلم؟
هكذا فُرّغت القضية الوطنية من بعدها التحرّري والرؤية الإنسانية الجامعة، وأُعيد تدوير الأزمة كصراعٍ أهليٍ مُغلّفٍ بالشعارات القومية، بينما العالم – وكل إفريقيا – من حولنا يتغير.
من المنافي البعيدة، بزغت تجليات لهويةٍ تبحث عن ذاتها: مهرجانات غنائية، أمسيات شعرية، معارض فنية، محاضرات وندوات. غير أن هذه الفعاليات، مهما اتسعت، لا تكفي وحدها. فالثقافة، دون مشروع سياسي تحرري، لا تحرّر الوطن، بل تجمّله وهو في قيده.
الفن، في هذا السياق، ليس مجرد تعبير، بل سلاح. لكنّه إن لم يشتبك مع جذور الطغيان، يتحوّل إلى طقسٍ جماليّ يُعطّل الغضب المشروع. الأغنية التي لا تُقلق السلطة، ليست مقاومة، بل إلهاء. والمهرجانات التي لا تعيد طرح السؤال الجوهري: “لمن هذه البلاد؟”، تصبح ديكورًا على جدران الزنزانة.
النظام الإريتري لم ينجُ لأنه الأقوى، بل لأنه نجح في مخاطبة البدائية فينا فأنتج بذلك عجزا غذّى الطائفية، وشرعن الخوف، وفتّت المشترك الوطني باسم التفرد المسكون بالأنا بدلا من التنوع الذي يكمل بعضه بعضا لتتشكل منه صورة الوطن. جعل من اللغة أداةً للعزل، ومن الدين ذريعةً للفرقة، ومن القبيلة جدارًا للنفي.
وهنا تتجلّى مهمة الشباب لا كمجرد “جيل”، بل كمشروع معرفي وأخلاقي. المعركة الأولى ليست مع بنادق الطغيان، بل مع العقل المُستَلَب، مع الخوف الموروث، مع مفاهيم الهوية المشروطة، ومع ذاكرةٍ شوهتها السلطة ثم احتكرت سردها.
المشروع الوطني: إمّا أن يُعاد تأسيسه أو يُدفن.
السؤال الحاسم ليس: “هل نحلم؟”، بل: “ماذا نفعل بالحلم؟”.
لا تُبنى الأوطان بالغناء وحده، ولا تصان الهويات بالنقوش والأنغام، بل بخريطة سياسية واضحة، وبمشروع وطني يملك أدوات الفعل، لا مجرد أدوات التعبير. لا جدوى من مهرجانات بلا مؤسسات، ولا معنى لهويةٍ لا تستند إلى سيادةٍ حقيقية على الأرض.
المشروع الوطني لا يعني العودة إلى رماد الماضي، بل إعادة تركيبٍ جذري للمفاهيم:
ما هي الدولة؟
من هو المواطن؟
كيف تُوزّع السلطة والثروة؟
وما الذي يجعل وطناً ما… وطنًا؟
هذا الجيل لا يملك ترف الحياد، ولا رفاهية التأجيل. إنهم في الصف الأمامي، شاءوا أم أبَوا. إمّا أن يحملوا شعلة التحوّل ويعيدوا بناء المشروع الإريتري … كالعنقاء تخرج من تحت الرماد، وإلا فسيطويهم النسيان كشهود صامتين على موت الحلم.
هم لا يحملون بنادق المقاتلين الأوائل، لكنّهم يملكون ما هو أقسى على الطغيان:
وعيٌ لا يقبل الترويض،
وإرادة لا تُشترى،
وحلمٌ جماعيٌّ بوطنٍ يتسع للجميع.
فليكن الغناء صرخةً، لا أنشودة.
ولتكن اللوحة احتجاجًا، لا زينة.
“في زمن الظلمات العاتية، تكون الزهرةُ الباسقةُ مقاومةً صامتةً، والنغمةُ الصادقةُ احتجاجًا يهزُّ الجدران، والحلمُ الجامحُ بيانَ ثورةٍ لا تُقهر. فلتزهر الزهورُ في وجه العاصفة، ولتُغنِّ النغماتُ رغم القيود، وليحلم الشبابُ حتى يتحقق الحلم.”
جعفر محمد نايب
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية
بين الزهور والعاصفة: دعوة لإعادة بناء المشروع الوطني من الجذور
ردٌّ على مقال “زهور في وجه العاصفة” للأستاذ جعفر محمد نايب
بقلم: محمداحمد اسناي
قرأت بتمعّن وتأمل مقال الأستاذ جعفر محمد نايب المنشور في موقع منخفضات.نت تحت عنوان “زهور في وجه العاصفة”، فوجدته نصًا أدبيًا فكريًا كثيفًا، يحمل همًّا صادقًا، وينطق من قلب التجربة الوجودية لجيل إريتري تائه بين حلم الانعتاق وواقع الاستبداد.
المقال يُشرّح اللحظة الإريترية الراهنة بمشرط واعٍ: دولة تحوّلت إلى قفص، وطنية صارت تهمة، معارضة مثقلة بالحنين، ثقافة تتأرجح بين المقاومة والزينة، وشباب تائه بين توارث الخيبة وتكوين وعي جديد.
وقد لامسني في المقال ذلك النداء العميق لتجاوز “الأنغام الجميلة” نحو مشروع تحرري واضح المعالم، لأن “الثقافة، دون مشروع سياسي تحرري، لا تحرر الوطن، بل تجمّله وهو في قيده”، كما عبّر الكاتب. وهذا تشخيص دقيق، يفتح بابًا ضروريًا لنقاش أوسع: ما الذي نريده حقًا؟ ومن أين نبدأ؟
الثقافة وحدها لا تكفي… ولكن السياسة وحدها تُضل
أتفق تمامًا أن الثقافة بدون اشتباك سياسي ووعي تحرري قد تتحوّل إلى ديكور يجمّل السجن.
لكن في المقابل، السياسة عندما تُبنى في فراغ قيمي أو على إنكار للهُوية، تصبح أداة تضليل لا تحرر. وهذا ما حدث في أريتريا؛ إذ سُرقت الثورة باسم التحرر، وقُمعت الأغلبية المسلمة باسم الوحدة الوطنية، وفُرّغ المشروع الوطني من أي عمق روحي أو عدالة تاريخية.
لقد نجح النظام ـ كما أشار الأستاذ جعفر ـ في تفريغ الصراع من مضمونه، وحوّله إلى معركة إثنية ضيقة.
لكن بقيت نقطة مسكوت عنها:
هل يمكن إعادة بناء المشروع الوطني دون الاعتراف الصريح بالمظلومية التاريخية للمسلمين في إريتريا؟
وهل يمكن أن تنهض هوية وطنية جامعة دون أن تستند إلى ثقافة الإسلام التي كانت العمود الفقري للمجتمع الإريتري قبل وبعد الاستعمار؟
لا حلم بلا بوصلة، ولا وعي بلا أفق
المقال أشار بحكمة إلى أن “هذا الجيل لا يملك ترف الحياد ولا رفاهية التأجيل”، وهذه عبارة تلخّص المأزق تمامًا.
لكن السؤال المركزي الذي أضيفه هنا هو:
من يهيئ لهذا الجيل بيئة الفعل؟ من يفتح له أبواب التنظيم والتأطير والحوار الجاد؟
لا يكفي أن نقول “الشباب هم الأمل”، بل لا بد أن نمنحهم أدوات الفهم، ومساحات التعبير، ومنصات الفعل الجماعي.
إن اختزال الأزمة في عجز المعارضة أو سلبية الجيل، مع تجاهل قضايا الإقصاء، الهوية، الانتماء، والتكوين الشرعي للمواطنة، لن يؤدي إلى تغيير جذري، بل إلى إعادة إنتاج نفس الدوامة.
في الختام
تحية تقدير للكاتب جعفر محمد نايب على نصه الجريء، ولإدارة موقع منخفضات.نت التي أتاحت لهذا الحوار الفكري أن يجد منبرًا يليق به.
نحن اليوم أمام لحظة فاصلة، لا تقبل التجزئة ولا التجميل:
إما أن نعيد بناء مشروعنا الوطني على قاعدة الاعتراف، العدل، والانتماء الحقيقي،
وإما أن نظل نُغني للحرية من خلف القضبان، ونرسم زهورًا على جدران الزنازين.
الجيل الجديد لا يريد حنينًا للماضي، بل خريطة واضحة للمستقبل.
فلتكن البداية من هنا… من الحوار الصادق، والاعتراف العميق، والتأسيس الحقيقي.
محمداحمد اسناي