كلمة أسرة التحرير سبتمبر صرخة في وجه المستحيل

 

في الفاتح من سبتمبر 1961 انطلقت شرارة الثورة الارترية ضد الاستعمار الاثيوبي لتصبح نقطة تحول حاسمة في تاريخ شعب لم يرض الاستعباد، ولم يقبل أن تمحى هويته، كان هذا اليوم بداية لمسيرة طويلة من التضحيات امتدت لثلاث عقود لتؤكد أن الحرية ليست هبة تمنح بل حق ينتزع ويفتدى بالدماء.

اربعة وستون عامًا مضت، وما زال صدى الطلقة الأولى في جبال “أدال” يتردد في أرجاء الوطن، كالنبض الذي لا ينقطع في قلب الشعب الإرتري. رصاصة أطلقها الشهيد حامد إدريس عواتي ورفاقه، لم تكن مجرد صوتٍ في الهواء، بل صرخة حرية وشهادة على أن الإنسان الحر لا يُذل، وأن الحرية لا تُباع، بل تُفتدى بكل غالٍ ونفيس، وأن الكرامة لا تُشترى، بل تنبع من عمق إرادة صلبة لا تلين، تتوق لمستقبل تتحقق فيه آمال وتطلعات الشعب، مستقبل لتحرير الأرض والإنسان.

لم يكن عدد الثوار كبيرًا، وكان السلاح محدودًا، والتحديات جبّارة، أمام أكبر قوة عسكرية في إفريقيا آنذاك. في عقول العقلاء كانت المهمة مستحيلة، وفي حسابات القوة كانت مغامرة جنونية، ولكن الإيمان بأن الحرية تستحق كل الدماء، وأن الاستسلام موت أبدي، جعل المستحيل ممكنًا.

لم تكن الثورة فعل رجل واحد، بل كانت نبض كل قرية، وكل وادٍ، وكل منخفض رحب. إستقبل الريف الإرتري الثوار بقلوب مفتوحة وبيوت مضيافة، وشاركهم خبزه القليل، وأرسل أبناءه إلى ساحات الوغى، واحتضن الحلم بقلوبٍ موحدة، يحمي جذوة الحرية من أعين الجواسيس ومحاولات القمع. الريف لم يكن أرضًا فحسب، بل كان رحم الثورة، ودرع الإرادة الصلبة التي صمدت رغم كل العواصف، وكان صانع الأمل في وجه الاستحكام العسكري والمصير المجهول.

ثلاثة عقود من التضحية، دماء الشهداء تسقي الأرض، أجساد الجرحى تشهد على العذاب، قوافل اللاجئين تحرس الحلم بعيدًا عن الديار، والنساء في البيوت والجبال يصنعن من صبرهن زادًا للأمل، والرجال ينحتون من صخور الأرض إرادة لا تقهرها الصعاب ولا تهزها الرياح، لتتوج كل هذه التضحيات بالاستقلال في 24 مايو 1991.
بإعلان الإستقلال ظن الإرتريون أن الشمس أشرقت، وأن التضحيات قد أثمرت وطنًا حرًا، لكن الواقع كشف أن الحلم لم يكتمل، وأن نصف النصر ظل معلقًا بين خيوط الظل والضباب.

فالاستقلال لم يحرر الإنسان، ولم يكتب عدلًا للشعب، بل بقي الوطن أسيرًا للهيمنة والقهر. عشرات الآلاف من الأحرار يقبعون في السجون، ومعظم قادة النضال الوطني انتهى بهم المطاف في المنافي، دُفنوا بعيدًا عن التراب الذي عشقوه وضحوا من أجله، فيما العصابة الحاكمة تجاهلتهم تمامًا، كأن دماءهم لم تكن سوى صفحات تاريخية للنسيان.

وبعد كل هذه النضالات يواجه الشعب الإرتري اليوم صراعًا وجوديًا، يتجاوز الصراع السياسي المجرد إلى استهداف الهوية والتاريخ والذاكرة الجمعية، ويهدف إلى إنهاك الشعب، وتغييب هويته من جذورها، وإخفاء اسمه من الخريطة السياسية من خلال طمس الرموز الوطنية، وتشويه الرواية التاريخية، ومحو الثقافة والمعتقدات، وحتى تغيير مستقبل الأمة. في هذا الصراع، لم تعد الحاضنة الاجتماعية للنظام مجرد شاهد، بل تشارك في الجريمة بصمتها وتواطئها، وسيكتب التاريخ ذلك.

ما زالت ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر تهمس في أذن كل إرتري حر، تذكّره بأن الثورة لم تنتهِ، وأن الحرية لم تتحقق بعد، وعلى الأجيال الجديدة أن تحمل الراية، ليس بالسلاح فقط، بل بالوعي والعمل، وبإشعال جذوة الكرامة والعدالة في النفوس، حتى يتحقق الوطن الذي حلم به الشهداء، وروى أرضه الآباء والأجداد بدمائهم الطاهرة.

إن طلقة “أدال” الأولى لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل ستبقى رمزا حيا للصمود والتضحيات ودليلا على أن الإنسان الذي يؤمن بحريته، قادرعلى تحويل المستحيل إلى حقيقة، وأن الكفاح من أجل الحق لا ينتهي، وأن كل تضحية في سبيل العدالة، هي وعد لغدٍ أفضل.

التحية والإجلال والتقدير للرعيل الأول من المناضلين الشرفاء ولكل قابض على جمر القضية يسير على دربهم حتى يتحقق التغيير المنشود في وطن تسود فيه قيم العدل والمساواة في ظل حكم راشد يحكمه عقد اجتماعي متوافق عليه من الحقوق والواجبات في نظام لامركزي دستوري يؤسس للتوزيع العادل للسلطة والثروة والتنمية المستدامة لكافة مكونات المجتمع الإرتري.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *