منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لم تتوقف نخب الهيمنة القومية للتجرينية في إرتريا عن التفكير بذات العقلية التي لا ترى سوى مشروعها الخاص كغاية نهائية، متجاهلةً بناء وطن يتسع لجميع أبنائه ويحترم حقوقهم وكرامتهم. وعلى امتداد ما يقارب ثمانية عقود، واجهت هذه النخب محطات تاريخية فارقة كان يمكن أن تكون لها فيها مواقف إيجابية تغيّر مسار الوطن، لكنها في كل مرة فضّلت تكريس الهيمنة على حساب مشروع وطني جامع.
كان اجتماع بيت قرقيس عام 1946، يمثل فرصة لتأسيس مشروع وطني يضع أسس الاستقلال والتعايش، غير أن عقلية الهيمنة بددت تلك الإمكانية، ثم جاءت محطة الاتحاد الفيدرالي مع إثيوبيا (1952-1962) التي شكّلت حلًا وسطًا بين دعاة الاستقلال الكامل وحزب “أندنت” الوحدوي، لكن الأخير وبدعم من هيلا سيلاسي حوّل الفيدرالية إلى وسيلة لتحقيق حلم الوحدة مع اثيوبيا على حساب حقوق الشعب الإرتري، وفضلت نخب الهيمنة القومية مصالحها الثقافية والدينية على مصلحة الوطن، وبذلك ضاعت فرصة ثمينة لبناء صيغة وطنية عادلة، ونتيجة لذلك لم يجد الشعب الارتري خيارًا سوى الانخراط في ثورة مسلحة، وقدم آلاف الشهداء والجرحى في مسيرة نضالية استمرت ثلاثين عامًا ليكتبوا بتضحياتهم أطول فصول الكفاح الوطني.
وفي 1991، جاء تحرير كامل التراب الوطني بعد نضال طويل مثقل بالتضحيات، فكان لحظة فارقة كان يمكن أن تؤسس لمصالحة وطنية، وترسخ قيم المواطنة، وبناء مؤسسات دولة حديثة تكفل العدالة للجميع، غير أن الجبهة الشعبية احتكرت الإنجاز والسردية، وتنكرت لتضحيات بقية المكونات، وحوّلت الاستقلال إلى مشروع أحادي للهيمنة القومية.
لاحقًا، مثّلت مجموعة الـ 15 محاولة للإصلاح من الداخل، وأملاً في توسيع الحريات وصون الحقوق، لكنها وئدت بالقمع، وكذلك كانت العملية الجريئة للشهيد سعيد علي حجّاي “ود علي” فرصة لإعادة الحسابات وبدلا من الاعتراف بها كحركة وطنية مطلبية والانفتاح نحو إصلاح سياسي، إلا أن النظام وصمها بالطائفية – وكما يقول المثل: رمتني بدائها وانسلت – واستغلها لتشديد قبضته وسجن وإقصاء ما تبقى من وجود رمزي في السلطة لبقية المكونات، لتصبح محتكرة عمليًا من مكون واحد فقط.
واليوم، وبعد كل هذه المحطات، ما زالت نخب الهيمنة القومية تكرر الأخطاء نفسها، وتبني مشروعها الضيق على حساب المشروع الوطني الجامع، وتغامر بمصير الوطن بدلا من اتخاذ خطوات تصالحية تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين وفتح المجال العام أمام مشاركة الجميع، وما الاعتقالات الأخيرة في مصوع وإغلاق مراكز تحفيظ القرآن الكريم إلا دليل جديد على إصرارها على النهج الإقصائي، في وقت تمضي فيه إثيوبيا بتهديدات جدية تجاه إرتريا، فهل يُعقل أن من يرفع شعار مقارعة إثيوبيا ويسعى لمواجهة تحدياتها أن يفعل ذلك بجبهة داخلية مفككة!!
إن أبسط قواعد السياسة تقول إن أي مواجهة خارجية لا يمكن كسبها من دون جبهة وطنية متماسكة، ومجتمع موحد يؤمن بعدالة قضيته ويشارك في صوغ القرار. لكن ما نراه في إرتريا هو العكس تمامًا؛ فالنظام يبدد طاقات الشعب الإرتري في الاعتقالات والقمع وإقصاء المكونات الوطنية، بدلا من توظيفها في بناء قوة داخلية قادرة على حماية السيادة.
إن تمزيق النسيج الداخلي وإضعاف المجتمع لا يضعف فقط المشروع الوطني، بل يمنح إثيوبيا أفضلية استراتيجية ويجعل البلاد عُرضة للاختراق والتهديد، ومن هنا فإن مشروع الهيمنة القومية لا يهدد وحدة الوطن فحسب، بل يعرضه لمخاطر وجودية لا يمكن تفاديها إلا ببناء جبهة داخلية متماسكة، تعيد للشعب ثقته في نفسه، وتجعل من مواجهة التحديات الخارجية امتدادًا لقوة الداخل لا انعكاسًا لضعفه، ويبدأ هذا بالتصالح مع الشعب الإرتري، وإطلاق سراح معتقليه والكشف عن مصير المفقودين، وإعادة جميع الحقوق إلى أصحابها وإرساء دعائم دولة حكم القانون والعدل والمساواة.
محمد عبد الله
munkhafadat.net رابطة ابناء المنخفضات الارترية